العقيدة الاسلامية

العقيدة الواسطية,العقيدة الاسلامية الصحيحة,فتاوى ابن عثيمين في العقيدة,العقيدة وأثرها فى الأمة الأسلامية.

نسخ رابط الموضوع
https://vb.kntosa.com/showthread.php?t=9376
163 4
09-04-2019 01:41 AM
#1  

Icon1765ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار kntosa.com_10_18_153
ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار kntosa.com_03_19_156

المطلب الأول: تعريف النار
المطلب الثاني: شبهة من قال إن النار لم تخلق بعد.
المطلب الثالث: أسماء النار.
المطلب الرابع:خزنة النار.
المطلب الخامس:أسماء خزنة النار.
المطلب السادس:صفات خزنة النار.
المطلب السابع: سعة النار وبعد قعرها.
المطلب الثامن: دركات النار.
المطلب التاسع: أبواب النار.
المطلب العاشر: وقود النار.
المطلب الحادي عشر: شدة حرها وعظم دخانها.
المطلب الثاني عشر: النار تتكلم وتبصر.
المطلب الثالث عشر: أشجار النار.
المطلب الرابع عشر: طعام أهل النار.
المطلب الخامس عشر: شراب أهل النار
المطلب السادس عشر: لباس أهل النار.
المطلب السابع عشر:هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة؟.
المطلب الثامن عشر:تأثير النار في الدنيا.
المطلب التاسع عشر: النار خالدة لا تبيد.
المطلب العشرون: النار مسكن الكفار وهم مخلدون فيها.
المطلب الحادي والعشرون: الدعاة إلى النار.
المطلب الثاني العشرون: أعظم الذنوب لأصحاب النار.
المطلب الثالث والعشرون: أشخاص بأعيانهم في النار.
المطلب الرابع والعشرون: ذنوب متوعد عليها بالنار.
المطلب الخامس والعشرون: أهل النار.
المطلب السادس والعشرون: كثرة أهل النار.
المطلب السابع والعشرون: عظم خلق أهل النار.
المطلب الثامن والعشرون: أكثر من يدخل النار من النساء.
المطلب التاسع والعشرون: كيفية دخول أهل النار النار.
المطلب الثلاثون: كيف يتقي الإنسان النار.


المطلب الأول: تعريف النار


هي الدار التي أعدها الله للكافرين به،المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين.
وصفها الله تعالى بالخزي الأكبر، والخسران العظيم، قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)([915])، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)([916])، وقال تعالى: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)([917]).
وكيف لا تكون النار كما ذكرها الله تعالى وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره الأقلام، وعن وصفه الألسن، وهي مع ذلك خالدة، وأهلها فيها خالدون، والحق تبارك وتعالى أطال في ذم أهل النار في النار: (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً)([918])، (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ)([919]).


المطلب الثاني: شبهة من قال إن النار لم تخلق بعد


قال شارح الطحاوية: (وأما شبهة من قال إنها لم تخلق بعد وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)([920])، وقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)([921]).
وجاء في الحديث: (لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)([922]).
وجاء في الحديث: (مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ)([923]). قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون: (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)([924]).
وقد أجاب العلماء عن هذه الشبهة وفندوها، وممن أجاب عليها شارح الطحاوية رحمه الله حيث قال: (فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أموراً أخرى ـ فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)([925])، فأثبتم سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن ـ نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما !! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام)([926]).


المطلب الثالث: أسماء النار


أسماء النار التي ذكرت في القرآن ثمانية، أولها وأشهرها النار، وأما البقية فهي كالتالي:
(1)سعير:قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً)([927]) وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ)([928]).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟) فَقُلْنَا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَنْ تُخْبِرَنَا فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَقَالَ: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنْ الْعِبَادِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)([929]).
(2) جهنم: قال تعالى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)([930])
وقال تعالى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً)([931]).
وعن أبي هريرة ونافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهما حدثاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)([932])، وهذا الاسم من أكثر الأسماء وروداً في الكتاب والسنة.
أما بعد قعرها فيدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (تَدْرُونَ مَا هَذَا؟) قَالَ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: (هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)([933]).
(3) لظى: قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى)([934]))، اللظى: اللهب الخالص)([935]). وقال تعالى: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى)([936])، التظاء النار: التهابها،وتلظيها:تلهبها،وقوله تعالى: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى):أي تتوهج وتتوقد.
(4) سقر: قال تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
* لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)([937])، وقال تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ
عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ)([938]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جَاءَ مُشْرِكُوا قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ))([939]).
(السقر: البعد، وسقرته الشمس: لوحته وآلمت دماغه بحرِّها، ويوم مسمقر شديد الحر)([940]). وسميت سقر بذلك إما لبعد قعرها أو لشدة حرها، وكلا المعنيين ثابت لها.
(5) الهاوية: قال تعالى: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)([941]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ فَيَقُولُونَ دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا فَإِذَا قَالَ أَمَا أَتَاكُمْ قَالُوا ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ فَيَقُولُونَ مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ)([942]). وسميت النار بالهاوية لبعد قعرها، فمن سقط يهوي فيها، ومعنى أمه هاوية: أي مستقره الهاوية.
(6) الحطمة: قال تعالى: (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)([943]). قال البخاري رحمه الله : (سورة: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الحطمة: اسم النار مثل سقر ولظى)([944]).
وسميت النار بذلك: لأنها تحطم رأس وعظام كل من يدخلها.
وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (..وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ)([945]).
(7) الجحيم: قال تعالى: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ)([946]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ..)([947]). وسميت النار بالجحيم لأنها نار عظيمة في مهواة، وهي نار توقد على نار، كما قال تعالى: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ)([948])، أي التي أوقد عليها.


المطلب الرابع: خزنة النار


يقوم على النار ملائكة خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)([949]).
وعدتهم تسعة عشر ملكاً، كما جاء ذلك صريحاً: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)([950]).
وقد افتتن بهذا العدد بعض الكفار، وقالوا هذا عدد يمكن التغلب عليه، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا فتنة فقال (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)([951]).
وهؤلاء التسعة عشر هم خزنة النار، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ)([952]).


المطلب الخامس: أسماء خزنة النار


أما كبير خزنة النار فهو مالك عليه السلام، جاء ذكره في الكتاب والسنة قال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)([953])،(وَنَادَوْا يَا مَالِكُ): ومالك هو خازن النار.
أخرج البخاري عن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)، أي يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى: (لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا)، وقال عز وجل: (وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا) فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك: (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون، رواه ابن أبي حاتم، أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها)([954]).
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لا قَالَ: (لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي..)، ثم قال: (.. وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ..)([955]).
وأما أسماء الباقين فلم يثبت تسميتهم إلا أن الله سماهم الزبانية، قال تعالى:
(سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ)([956]).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : فَزَبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرُ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ)، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ)([957]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ)([958]).


المطلب السادس: صفات خزنة النار


ذكر الله تعالى من صفاتهم صفتين، وهاتان الصفتان شاملتان لجميع الصفات، وهما الغلظة والشدة، فخُلقهم غليظ، وخَلْقُهم شديد، فكل ما يمكن تصوره من الغلظة والشدة فهي فيهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)([959]).
وقد ذكر الله جل جلاله بعض المواقف التي تبين شيئاً من غلظتهم مع أصحاب النار، فزيادة على عذاب الكافرين في النار فإنهم يعذبونهم عذاباً نفسياً بالتوبيخ والتعنيف والتبكيت، فيلومونهم على كفرهم بالله وإعراضهم عن المرسلين، ويسألونهم سؤال توبيخ وتعنيف عن سبب هذا الكفر والإعراض، ويسألونهم هذا السؤال في ثلاثة مواطن؛ عند فتح أبواب جهنم لإدخالهم فيها، وعند دخولهم النار، وعند سؤال أهل النار خزنة جهنم أن يشفعوا لهم عند الله في تخفيف العذاب:
الموطن الأول: قال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)([960]).
الموطن الثاني: قال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
* قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ)([961]).
الموطن الثالث: قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ)([962]).


المطلب السابع: سعة النار وبعد قعرها


النار واسعة بعيد قعرها، ومما يؤكد ذلك:
(1) أن الذين يدخلون النار أعداد لا تحصى، ثم إن الواحد منهم يعظم خلقه حتى إن ضرسه يكون مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ)([963]) ومع ذلك تستوعب الكفرة والمجرمين من بداية الدنيا إلى نهايتها، وتطلب المزيد: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)([964]).
جاء في الحديث الصحيح في احتجاج الجنة والنار، أن الله يقول للنار: (إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا)([965]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَزَالُ جَهَنَّمُ (تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)([966]).
(2) يدل على بعد قعرها أن الحجر إذا ألقي من أعلاها احتاج إلى سنوات
حتى يصل إلى قعرها، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (تَدْرُونَ مَا هَذَا؟) قَالَ: قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)([967]).
وعن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا منبر البصرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ لَتُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا وَمَا تُفْضِي إِلَى قَرَارِهَا)([968]).
(3) كثرة العدد الذين يأتون بالنار من الملائكة يوم القيامة، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)([969]).
(4) أن الشمس والقمر يكونان ثورين مكورين في النار، ففي (مشكل الآثار) للطحاوي عن سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة)([970])، ورواه البيهقي في كتاب (البعث والنشور)، وكذا البزار والإسماعيلي والخطابي بإسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصراً بلفظ: (الشمس والقمر مكوران في النار)([971]).
فتخيل أيها القارىء هذا العدد الكبير الذي يقود هذا المخلوق العظيم، ولا تسأل عن قوة الملائكة وشدتهم، فذلك لا يعلمه إلا خالقهم سبحانه.


المطلب الثامن: دركات النار


النار تتفاوت في شدة حرها، وما أعده الله فيها من العذاب لأهلها، فليست على درجة واحدة، بل هي دركات، كما قال تعالى عن المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)([972]). والدرك يقابل الدرج، فالدرج لكل ما علا، والدرك لكل ما سفل، فيقال للجنة درجات، وللنار دركات.
وقد ذكر بعض أهل العلم تسمية دركات النار فقال: (الأولى جهنم، والثانية لظى، والثالثة الحطمة، والرابعة السعير، والخامسة سقر، والسادسة الجحيم، والسابعة الهاوية) والصواب أن هذه أسماء للنار، والله أعلم.
وتختلف دركات أهل النار بحسب أعمالهم وسيئاتهم.
ويدل على أن الناس تختلف درجاتهم بحسب أعمالهم عموم قوله تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)([973])، وفي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار، ثم قال: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)([974])، وقال سبحانه: (أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)([975]).
ومما يدل عليه أيضاً حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى




حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ)([976]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ وَمِنْهُمْ فِي النَّارِ إِلَى كَعْبَيْهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ فِي النَّارِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ اغْتُمِرَ فِي النَّارِ إِلَى أَرْنَبَتِهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي النَّارِ إِلَى صَدْرِهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ اغْتُمِرَ فِي النَّارِ) قَالَ عَفَّانُ: مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ قَدْ اغْتُمِرَ ([977]).
وقد ذكر الله لنا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً)([978]).
وأما أهون أهل النار عذاباً فهو رجل ينتعل نعلين يغلي منهما دماغه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ)([979]).
وهذا الرجل هو عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)([980]). ولولا كرامة النبي صلى الله عليه وسلم لكان في الدرك الأسفل من النار.
فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : (مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)([981])،وهاتان النعلان عبارة عن جمرتين؛ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ)([982]).


المطلب التاسع: أبواب النار


أخبرنا ربنا سبحانه أن النار سبعة أبواب، قال تعالى: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)([983]): أي أن لكل باب مجموعة من أتباع إبليس يدخلون معه بحسب عملهم، ثم يستقرون في النار.
وقد جاء أن الأبواب تفتح حين يرد الكفار على النار فيدخلونها خالدين: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)([984]).
وهذه الأبواب تغلق على المجرمين، فلا مجال لخروجهم منها بعد دخولهم، فالأبواب مؤصدة عليهم، قال تعالى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ)([985])، وقال تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)([986])، فكأن الأبواب أطبقت ثم شدت بأوتاد من حديد.
وقد تفتح أبواب النار وتغلق قبل يوم القيامة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أبواب النار تغلق في شهر رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ)([987]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ
رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ..)([988]).
دلت هذه الأحاديث بمفهومها أنها في غير رمضان مفتحة، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المفهوم في حديث آخر وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([989]).
وأما في غير رمضان فهي مغلقة على أصحابها، كما قال تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)([990])، وقال تعالى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ)([991]).


المطلب العاشر: وقود النار


الأحجار والفجرة والكفار هم وقود النار، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)([992]).
وقال تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)([993]).
والمراد بالناس الذين توقد النار بهم الكفرة والمشركون، وأما نوع الحجارة التي تكون للنار وقوداً فالله أعلم بحقيقتها،وقد ذهب بعض السلف إلى أن هذه الحجارة من كبريت، قال ابن مسعود رضي الله عنه : (هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين)رواه ابن جرير وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه،وقال: على شرط الشيخين، وقال بهذا القول ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وابن جريج([994]).
وقال ابن رجب رحمه الله : (وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال:إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة،وكثرة الدخان،وشدة الالتصاق بالأبدان،وقوة حرّها إذا حميت)([995])
ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا
خَالِدُونَ)([996])، ومعنى حصبها: أي وقودها وحطبها.
المطلب الحادي عشر: شدة حرها وعظم دخانها:
الناس عادة في الدنيا يتبردون من شدة الكرب بثلاثة أشياء: الماء، والهواء، والظل، وهذه الأشياء لا تغني عن أهل النار شيئاً، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ)([997]).
فهواء جهنم السموم، وهو الريح الحارة الشديدة، وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها اليحموم وهو قطعُ الدخان، وقد جاء وصف هذا الظل في آية أخرى في قوله تعالى: (انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ)([998]) أي سود.
وقد جاءت أوصاف النار بما تفزع له النفوس: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً)([999])
وقال تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ)([1000]).
إنها تأكل كل شيء،وتدمر كل شيء،ولا تبقي ولا تذر،تخرق الجلود، وتصل إلى العظام، وتصهر ما في البطون، وتطلع على الأفئدة.
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن: (نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: (فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)([1001]).
وهذه النار لا يخبو أوارها مع تطاول الزمن ومرور الأيام: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً)([1002])،(كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً)([1003])، ولذلك لا يجد الكفار طعم الراحة ولا يخفف عنهم العذاب مهما طال العذاب: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ)([1004]).
والنار تسعر كل يوم كما روى مسلم عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ..)([1005]).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)([1006]).
وبلغ من حرارتها أنها اشتكت من حرارة نفسها لربها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (.. اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([1007])، وإذا كان أهون أهلها عذاباً من يوضع تحت قدميه جمرة فيغلي منها دماغه، فما بالك بأشدهم عذاباً.


المطلب الثاني عشر: النار تتكلم وتبصر


المطَّلع على نصوص الكتاب والسنة التي جاء بها وصف النار يلاحظ أنها مخلوق يبصر ويتكلم ويشتكي، وها هي تطلق الأصوات المخيفة إذا أقبل إليها أهلها من شدة غيظها وحنقها على هؤلاء الكفرة والمجرمين، قال تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)([1008])، وقوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد)([1009]).
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَزَالُ جَهَنَّمُ (تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)([1010]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (..اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([1011]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَبِالْمُصَوِّرِينَ)([1012])، وهذا يدل على أن لها لساناً تتكلم به.
وأما رؤيتها للناس فيقول الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ
بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)([1013])، فقوله (رَأَتْهُم): يدل أنها تبصر، وقوله: (سَمِعُوا لَهَا) يدل أنها تتكلم، وقوله: (تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)يدل أنها تغضب.
وأيضاً قوله تعالى: (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ)([1014])، وقوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)([1015]).
فهي تشهق وتزفر من غيظها على الكافرين، بل تكاد تتميز: أي تتقطع من شدة غضبها عليهم.



المطلب الثالث عشر: أشجار النار


في النار أشجار، ومن هذه الأشجار شجرة الزقوم، وهي شجرة لا نفع فيها، فهي لا ظل لها ينعمون به،ومنظرها بشع فطلعها كأنه رؤوس الشياطين، وما الظن بشجرة تنبت في أصل الجحيم، وإنما القصد من وضع هذه الشجرة هو تعذيبهم بها فيأكلون من ثمارها ظناً منهم أنه ينفعهم، فما يزيدهم إلا عذابا، فإذا أكلوا بدأ يغلي في بطونهم، فيفزعون يبحثون عن الماء ليطفيء الغليان الذي في بطونهم فيشربون من ماء الحميم يكرعون منه كرعاً فيقطع أمعاءهم ويتضاعف العذاب عليهم.
قال تعالى: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)([1016])،وقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ* لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ)([1017]).
وقال تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)([1018]).
وهي الشجرة الملعونة في القرآن كما في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً)([1019]).
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) هي شجرة الزقوم)([1020]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ)([1021]) فطعمها علقم، فإذا دخل الجوف أخذ يغلي، وصدق الله: (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ)، إنها حقاً فتنة وأي فتنة.



ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار 3dlat.com_11_19_4e6c





09-04-2019 01:42 AM
#2  

افتراضيرد: ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

المطلب الرابع عشر: طعام أهل النار


طعام أهل النار الزقزم والضريع (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)([1022])، وقال تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)([1023]).
وقد وصف سبحانه شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ)([1024]).
وقال في موضع آخر(ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ* فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ* هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ)([1025]).
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: (لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ) ([1026]).
ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ، ولذلك شبهه سبحانه برؤوس الشياطين، إلا أنهم يلقى عليهم الجوع فلا يجدون مفراً من الأكل منها،فيأكلون حتى تمتلىء بطونهم، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم، فيجدون لذلك آلاماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ سارعوا إلى شرب الحميم وهو الماء الحار الذي تناهى حرّه وغليانه، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم (وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)([1027])، فهذا هو مقرهم وضيافتهم، أعاذنا الله من النار.
وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غَصّوا به لقبحه وخبثه (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً)([1028])، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.
ومن طعام أهل النار الغسلين قال تعالى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ)([1029])، وقال تعالى: ( هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ)([1030]).
والضريع: شوك، والغسلين والغساق: بمعنىً واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد.
وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني.
وقال القرطبي رحمه الله : (قال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار)([1031]).
المطلب الخامس عشر: شراب أهل النار:
إن أهل النار إذا دخلوا فيها أصابهم الجوع والعطش، فإذا أكلوا من شجرة الزقوم أصابهم عطش شديد، فيشربون من الحميم، كما قال تعالى: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)([1032])، وقال تعالى: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ)([1033]).
قوله تعالى: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ): أي على الزقوم ليطفأ غليانه، و(الْهِيمِ): (هي الإبل العطاش، واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: الهيم الإبل العطاش الظماء، وعن عكرمة أنه قال: الهيم الإبل المراض تمص الماء مصاً ولا تروى، وقال السدي: الهيم داء يأخذ الإبل فلا تروى أبداً حتى تموت، فكذلك أهل النار لا يروون من الحميم أبداً)([1034]).
وقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ)([1035]).
والآيات في هذا كثيرة.




المطلب السادس عشر: لباس أهل النار


أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الله تعالى أنه يُفصّلُ لأهل النار حلل من النار، كما قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ)([1036])، وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: (سبحان من خلق من النار ثياباً).
وقال تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ)([1037]).
وروى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)([1038])، وخرجه ابن ماجة ولفظه: (النَّائِحَةَ إِذَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتُبْ قَطَعَ اللَّهُ لَهَا ثِيَابًا مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعًا مِنْ لَهَبِ النَّارِ)([1039]).




المطلب السابع عشر: هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة


الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى النار، جاء ذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ...)([1040]).
وفي صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لا أَطْعَمَتْهَا وَلا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ) قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (مِنْ خَشِيشِ أَوْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)([1041]).
وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (.. لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا..)([1042]).
هذا في الدنيا، أما في البرزخ فتعرض على العباد مقاعدهم في الجنة والنار كما دلت عليه النصوص من السنة.
المطلب الثامن عشر: تأثير النار في الدنيا:
جاء في الصحيح: (..اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([1043]).
وروى البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)([1044]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ([1045]) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ)([1046]).




المطلب التاسع عشر: النار خالدة لا تبيد


النار خالدة لا تفنى ولا تبيد، قال الطحاوي رحمه الله : (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان)([1047]).
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن النار خالدة لا تبيد، وأهلها فيها خالدون، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والمجرمون والمنافقون فهم حطب جهنم خالدون فيها.
وقد خالف أهل البدع في هذا الأمر وزعموا أن النار تفنى ومنهم الجهمية.
وكذا خالف المعتزلة والخوارج، وقالوا: إن كل من دخل النار يخلد فيها ولو من عصاة الموحدين.
كما خالف اليهود في ذلك وزعموا أنهم يعذبون في النار وقتاً ثم يخرجون منه: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً)([1048]).
كما خالف بعض أهل السنة في ذلك وقالوا أن الله يخرج من شاء منها ثم يبقيها أمداً ثم يفنيها، فقد جعل الله لها أمداً محدداً، وهذا القول منسوب لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، لكنه قول غير صحيح.
وقد قيل أنهما رجعا عنه، وفي كلامهما ما يفيد أن النار لا تفنى، وهذا يؤكد أنهما رجعا عن هذا القول والله أعلم.




المطلب العشرون: النار مسكن الكفار وهم مخلدون فيها


النار تعتبر مسكناً للكفار والمشركين، وهي لهم سكن ومأوى، كما أن الجنة مسكن للمؤمنين، قال تعالى: (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([1049])، وقال تعالى: (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)([1050])، وقال تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ)([1051]) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)([1052])، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)([1053]).
والآيات في هذا الباب كثيرة لا تحصى.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُودٌ)([1054]).
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ)([1055]).
وهذا يقال بعد ذبح الموت، كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ)([1056]).
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ فَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ وَيُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ قَالَ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)([1057]))([1058]).
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه قال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ)([1059]).




المطلب الحادي والعشرون: الدعاة إلى النار


أصحاب المبادىء الضالة، والمذاهب الباطلة هم الدعاة إلى النار: (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)([1060])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)([1061]).
وهكذا زعيم هؤلاء وإمامهم الشيطان الداعية الأول للنار، الذي أقسم أن يغوي الناس وجنَّد نفسه لهذا الأمر: ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1062])، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)([1063]).
ويتبعه كل قادة الشر والضلال، ومنهم الذين يدعون أقوامهم إلى عبادتهم من دون الله وعلى رأسهم فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ)([1064])، وكل من دعا إلى عقائد ومبادىء مخالفة للإسلام هم دعاة إلى النار، لأن الطريق الوحيد الذي ينجي من النار ويدخل الجنة هو طريق الإيمان.
ولقد ضرب الله مثلاً لمؤمن آل فرعون عندما كان يدعوهم إلى الله وتوحيده والإيمان به وكانوا يدعونه إلى فرعون وكفره وشركه(وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) ([1065]).
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَيْرِ
وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ)، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: (قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)،قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ، قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)([1066]).



المطلب الثاني والعشرون: أعظم الذنوب لأصحاب النار


أفاض القرآن ببيان جرائم صأصحاب النار التي استحقوا بسببها النار، ومنها:
(1) الكفر والشرك: فالذين كفروا ينادون فيقال لهم إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم لأنفسكم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)([1067]).
وأخبرنا الله عز وجل أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: (أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)([1068]) فيكون الجواب (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) ([1069]).
وقال تعالى في المكذبين بالكتاب المشركين بالله(الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)([1070]).
وقال تعالى في الكفرة المشركين المسوين آلهتهم برب العالمين(فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)([1071]).
(2) عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين: فأهل الجنة يقولون لأهل النار (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)([1072])، فيجيبون قائلين: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)([1073]).
(3) طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر: فيما قرروه من مبادىء الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين، قال الله تعالى في ذلك (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ)([1074]).
وعندما يدخل الكفار النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء قال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا)([1075]).
(4) النفاق: وعد الله المنافقين النار، وبين أن مكانهم من النار هو الدرك الأسفل: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)([1076]).
(5) الكبر: وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1077])، وقد جاء في الصحيح أن النار يدخلها الجبارون والمتكبرون.
ففي صحيح البخار ي ومسلم وسنن الترمذي عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)([1078]).
وفي رواية لمسلم: (.. كُلُّ جَوَّاظ ٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ)([1079]).
ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)([1080]) وقوله: ( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)([1081]).



المطلب الثالث والعشرون: أشخاص بأعيانهم في النار


أخبرنا الله عن الكفار والمشركين والمنافقين أنهم في النار، وذكر بعض الأشخاص بأعيانهم، وبين أنهم من أهل النار، ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن لا نشهد لأحد بعينه في النار إلا من شهد الله له ورسوله صلى الله عليه وسلم ([1082])، لذلك كان لزاماً علينا أن نعرف من الذين شهد الله لهم ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنار، وبتتبع آيات القرآن تبين لنا الذين سماهم الله من أهل النار:
(1) إبليس: أما إبليس فالآيات فيه كثيرة ودخوله النار من المعلوم بالدين بالضرورة، بل معلوم في جميع الأديان، كمثل قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)([1083]) وقال تعالى لإبليس: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1084]).
(2) فرعون وجنوده: أخبرنا سبحانه وتعالى عن فرعون وجنوده أنهم في النار (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)([1085])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ)([1086])،وقوله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)([1087]).
* قارون وهامان: قال تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)([1088])، وقال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ)([1089])، وهذه عقوبة معجلة في الدنيا.
(3) امرأة نوح وامرأة لوط: كما أخبرنا تعالى عن امرأة نوح وامرأة لوط، فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)([1090]).
(4) أبو لهب وامرأته: كما أخبرنا تعالى عن أبي لهب وامرأته، فقال: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)([1091]).
(5) الوليد بن المغيرة: وهو المقصود بقوله تعالى: ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)([1092]).
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لم؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمداً لتعرضه لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك إنك منكر له أو إنك كاره له، قال: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً)([1093]).
* عمرو بن عامر الخزاعي: كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ)([1094]).
وكما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن الأقوام السابقين، مثل قوم نوح، وعاد،
وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وغيرهم ممن ذكرهم في كتابه العزيز.



المطلب الرابع والعشرون: ذنوب متوعد عليها بالنار


جاءت النصوص تبين أن الله توعد على ذنوب في النار، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه الذنوب:
أولاً: الافتراق الحاصل في هذه الملة: وأنها على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (أَلا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ)([1095]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيه: (هو حديث صحيح مشهور)، وصححه الشاطبي في (الاعتصام)، وقد جمع الشيخ الألباني طرقه وتكلم على أسانيده، وبين أنه حديث صحيح لا شك في صحته([1096]).
ثانياً: الجور في الحكم: قال صلى الله عليه وسلم : (الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ)([1097])، فمن جار في الحكم أو قضى للناس على جهل فهو في النار، ومن عرف الحق وقضى به فهو في الجنة.
ثالثاً: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)([1098])، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ)([1099])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)([1100]).
رابعاً: الكبر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)([1101])، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)([1102]).
خامساً: قتل النفس بغير الحق، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)([1103]) فلا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي
وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)([1104]).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضاً،وأخبر أن القاتل والمقتول
في النار، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)([1105]).
ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)([1106]).
سادساً: أكل الربا: وهي من الذنوب التي توبق صاحبها، وقد قال الله في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له(وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1107])، وقال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)([1108]) وقد عده الرسول صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ
الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ)([1109]).
سابعاً: أكل أموال الناس بالباطل وأكل أموال اليتامي: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)([1110]).
ومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلماً، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم، ولشناعة هذه الجريمة قال تعالى فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)([1111]).

ثامناً: التصوير: فالمصورون أشد عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون خلق الله، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ)([1112])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ)([1113])، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في النمرقة التي فيها تصاوير: (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)([1114])، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)([1115])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً)([1116]).
عاشراً:الركون إلى الظالمين: ومن أسباب دخول النار الركون إلى الظالمين أعداء الله وموالاتهم: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ)([1117]).
الحادي عشر: الوعيد الشديد للكاسيات العاريات: وهن الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتنَّ عباد الله، ولا يستقمنَّ على طاعة الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)([1118]).
قال القرطبي رحمه الله : (والكاسيات العاريات كثيرات في زماننا)، ولعله لم يسبق أن انتشرت فتنتهن كما انتشرت في زماننا، وهنَّ على النعت الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم : (كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ).
الثاني عشر: المعذب للحيوان: فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)([1119])، فإذا كان هذا حال من يعذب هرة، فكيف من يتفنن في تعذيب العباد؟ فكيف إذا كان التعذيب للصالحين منهم بسبب إيمانهم وإسلامهم كما يفعل في كثير من بلاد الكفار.
الثالث عشر: الذين يشربون أو يأكلون في آنية الذهب والفضة: فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)،وفي رواية أخرى: (..أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ..)([1120]).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ)([1121]).
الرابع عشر: الوعيد للمنتحر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)([1122]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)([1123]).
الخامس عشر: وجاء الوعيد للذي لا يخلص في طلب العلم: ومن الأحاديث التي تدل على عظم ذنب هذه المعصية، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا)([1124]).
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَلا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ)([1125])، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) ([1126]).
ويكفي تحذيراً من هذه الكبيرة ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (..إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)([1127]).
وغير ذلك من الأعمال التي توعد الله عليها بالنار.



المطلب الخامس والعشرون: أهل النار


أهل النار هم الذين لا يخرجون منها أبداً، وقد ذكر الله تبارك وتعالى الكثير من الأصناف وسماهم أصحاب النار، وبالنظر إلى الآيات الكريمات يتبين لنا أن هذه الأصناف ترجع إلى نوعين هما:
الأول: الكفار والمشركون، حتى المنافق فإنه يرجع في الحقيقة إلى الكافر _ لأنه يبطن الكفر ويظهر الإسلام _ والمرتد أيضاً كافر، قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1128]).
والمخلدون في النار من أهل الكتاب إما كفار أو مشركون، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)([1129]).
والكفر غير الشرك كما دلت عليه هذه الآية، لأن العطف يقتضي المغايرة، فالكافر: هو الذي يجحد الإله، أو يجحد حقوقه([1130])، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1131]). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1132])،
(وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)([1133]).
الثاني: المشرك: هو الذي يجعل مع الله إلهاً آخر([1134])، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)([1135]).
قوله: (دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين، وقابل هذا التوحيد بقوله: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، فدل أن الشرك ضد التوحيد، فإن كان التوحيد هو إفراد الله بالدعاء والعبادة، فالشرك جعل إله آخر مع الله في الدعاء والعبادة.
وحكم المشرك أنه مخلد في نار جهنم، قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)([1136]).
والكفر والشرك ينطبق عليهما اصطلاح: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا([1137]) فأحيانا يطلق الكفر ويراد به الشرك، وأحياناً يطلق الشرك ويراد به الكفر، وذلك أن المشرك جحد انفراد الله تعالى بالألوهية؛ فهو كافر من هذه الناحية، والكافر اتخذ إلهه هواه فهو مشرك من هذه الناحية، ولكن إذا اجتمع الكفر والشرك؛ فإن الفرق بينهما كما بينا سابقاً.
ومن إطلاق الكفر على الشرك قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً
إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ
سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)([1138]).
وقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)([1139])، وقوله: (تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ)([1140]).
ومن إطلاق الشرك على الكفر: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)([1141]).
هذا وقد بين الله تعالى لنا أن ما دون الشرك من المعاصي فإنه يغفرها كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)([1142]). فهذا يدل أن الشرك لا يغفر، وكذلك الكفر فهو لا يغفر، والاستدلال عليه من جهتين هما:
أولاً: أن الشرك إذا أطلق وحده دخل الكفر معه، فيكون الكفر داخلاً في هذه الآية.
ثانياً: أن الله تعالى قال: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، والكفر ليس دون ذلك بل
هو مساو للشرك في الإثم، ويدل على هذا صراحة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)([1143]).
وبهذا يتبين لنا أنه لا يبقى في النار خالداً أبداً إلا الكافر والمشرك، وقد دلت على ذلك أيضاً أحاديث في هذا المعنى، منها:
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)، وفي رواية أخرى: (مِنْ إِيمَانٍ)([1144]).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) ([1145]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا)قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ
تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)..)([1146]).



المطلب السادس والعشرون: كثرة أهل النار


جاءت النصوص الكثيرة تدل على كثرة أهل النار، وقلة أهل الجنة، وذلك لكثرة الكافرين الذين رفضوا دعوة الرسل _ عليهم الصلاة والسلام _ قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)([1147])، وقال تعالى: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1148]).
ويدل على ذلك أيضاً أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ومنهم من يأتي معه الرجل والرجلان، ومنهم من يأتي ومعه الرهط _ أي الجماعة من الناس دون العشرة _ ففي صحيح مسلم عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ..)([1149]).
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)) فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: (أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)([1150]).
والسبب في كثرة أهل النار عدم اتباعهم لرسل الله، وركونهم إلى الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)([1151])، وجاء في الحديث: (حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)([1152]).



المطلب السابع والعشرون: أكثر من يدخل النار النساء


عصاة الموحدين منهم من يدخل النار على قدر عمله، ثم يخرج منها بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأكثر هؤلاء الداخلين من النساء، حيث جاء في الحديث الصحيح: (اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)([1153])، وجاء في الحديث الآخر: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ )([1154])، وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه : (وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)([1155]).، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)([1156]).
وهذا لا ينافي أن الرجل له أكثر من زوجة في الجنة، لأن اللواتي يدخلن النار من ذرية آدم،أما الزوجات في الجنة فمنهن من نساء الدنيا،ومنهن من الحور العين.
وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى، والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها، ومع ذلك هنَّ أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن مُعْرضات عن الآخرة بأنفسهن،صارفات غيرهن عنها،سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين)([1157]).
ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته، ويُطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيراً من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.



المطلب الثامن والعشرون: عظم خلق أهل النار


أهل النار يدخلونها على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، جاء في الحديث: (مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ)([1158]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)([1159]).
وقال زيد بن أرقم: (إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ الضِّرْسُ مِنْ أَضْرَاسِهِ كَأُحُدٍ )([1160]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ)([1161]).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مِثْلُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ) ([1162]).
وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي رحمه الله في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: (هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به)([1163]).
وقال ابن كثير رحمه الله معلقاً على ما أورده من هذه الأحاديث: (ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال تعالى (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)([1164]))([1165]).



المطلب التاسع والعشرون: كيفية دخول أهل النار النار


لقد بين الله تعالى لنا كيفية دخول أهل النار في آيات كثيرة، وسوف نوضحها بإذن الله تعالى كالتالي: عندما يُكتب على العبد الشقاوة ويكون من أهل النار يأمر الله تعالى الملائكة أن تقيده وتغله، قال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ)([1166]).
والغل: هو ما يقيد به، وهذا القيد يكون في عنقه، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1167])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)([1168]).
وهذه الأغلال عبارة عن سلاسل الحديد، كما قال تعالى: ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)([1169])، ثم تجمع الملائكة نواصيهم مع أقدامهم: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)([1170]).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يجمع بين رأسه ورجليه ثم يقصف كما يقصف الحطب)([1171]).
قوله تعالى: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)، أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال الأعمش عن ابن عباس رضي الله عنهما: (يؤخذ بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط بقدمه ويفتل ظهره)([1172]).
ثم يساقون إلى النار سوقاً شديداً ويدفعون إليها دفعاً: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)([1173])، والدع : معناه: الدفع الشديد.
ثم إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها في وجوههم بغتة حتى يصيبهم عذاب الفزع (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)([1174])، ثم يلقون فيها إلقاءً، من مكان ضيق وهم مكتفون: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً)([1175])مقرنين:أي مشدودين ومربوطين،وهذا الربط بالأصفاد وهي الأغلال (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)([1176]). وهذا الإلقاء إنما يكون على وجوههم، قال تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)([1177])، وقال تعالى: ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)([1178]) ثم يلقى بعضهم على بعض،قال تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)([1179])، ومعنى كبكبوا: ألقي بعضهم على بعض. ثم يكون بعد ذلك أنواع العذاب وأصناف النكال وأشد الآلام.
المطلب الثلاثون: كيف يتقي الإنسان النار:
بعد ما تبين لنا من صفة النار، وما أعد الله تعالى فيها من العذاب لمن يدخلها، وبعد أن بين لنا صفات أهلها وحذرنا منها؛ بين لنا سبحانه كيف نتقيها وما الأسباب المانعة من النار، فمن ذلك:
أولاً: الدعاء: بأن يلهج المؤمن بطلب النجاة من النار، فإن الله لا يخيب من رجاه، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)([1180]).
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)([1181]).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً)([1182]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ)([1183]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)([1184]).
ثانياً: الأعمال الصالحة: والمراد بالعمل الصالح ما كان خالصاً لوجه الله موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([1185]). وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)([1186]).
قال ابن كثير رحمه الله : (قال أبو العالية والربيع: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ)، يقول: من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ)،أخلص(وجهه)، قال:دينه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده.
والآخر: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة.
فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)([1187])
وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يكن يخلص عامله القصد لله فهو أيضاً مردود على فاعله، هذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)([1188])، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)([1189]).
ولهذا قال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([1190])، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)([1191]).
لما ذكر الله تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)([1192]) وقال: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)([1193])، فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب)([1194]).
ثالثاً: الاستغفار: والاستغفار هو طلب المغفرة، وهو نوع من أنواع الدعاء، ولكنه أخص منه، فهو خاص بطلب مغفرة الذنوب التي هي سبب لدخول النار، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)([1195]).
رابعاً: خوف الله والدار الآخرة: فمن خاف ذلك اليوم أمنَّه الله تعالى فيه، فإن الله تعالى لا يجمع على عبد خوفين في الدنيا وفي الآخرة،قال تعالى: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً)([1196]) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)([1197])، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)([1198])، وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)([1199]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)([1200]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)([1201]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا
صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ)([1202]).
خامساً: الصدقة: قال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)([1203]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ..)([1204]).
السادس: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم : وعموماً فمن أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد فاز ونجا من النار،قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً)([1205]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)([1206]).




09-04-2019 01:44 AM
#3  

افتراضيرد: ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

المطلب العشرون: النار مسكن الكفار وهم مخلدون فيها


النار تعتبر مسكناً للكفار والمشركين، وهي لهم سكن ومأوى، كما أن الجنة مسكن للمؤمنين، قال تعالى: (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([1049])، وقال تعالى: (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)([1050])، وقال تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ)([1051]) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)([1052])، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)([1053]).
والآيات في هذا الباب كثيرة لا تحصى.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُودٌ)([1054]).
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ)([1055]).
وهذا يقال بعد ذبح الموت، كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ)([1056]).
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ فَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ وَيُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ قَالَ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)([1057]))([1058]).
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه قال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ)([1059]).




المطلب الحادي والعشرون: الدعاة إلى النار


أصحاب المبادىء الضالة، والمذاهب الباطلة هم الدعاة إلى النار: (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)([1060])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)([1061]).
وهكذا زعيم هؤلاء وإمامهم الشيطان الداعية الأول للنار، الذي أقسم أن يغوي الناس وجنَّد نفسه لهذا الأمر: ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1062])، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)([1063]).
ويتبعه كل قادة الشر والضلال، ومنهم الذين يدعون أقوامهم إلى عبادتهم من دون الله وعلى رأسهم فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ)([1064])، وكل من دعا إلى عقائد ومبادىء مخالفة للإسلام هم دعاة إلى النار، لأن الطريق الوحيد الذي ينجي من النار ويدخل الجنة هو طريق الإيمان.
ولقد ضرب الله مثلاً لمؤمن آل فرعون عندما كان يدعوهم إلى الله وتوحيده والإيمان به وكانوا يدعونه إلى فرعون وكفره وشركه(وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) ([1065]).
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَيْرِ
وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ)، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: (قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)،قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ، قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)([1066]).



المطلب الثاني والعشرون: أعظم الذنوب لأصحاب النار


أفاض القرآن ببيان جرائم صأصحاب النار التي استحقوا بسببها النار، ومنها:
(1) الكفر والشرك: فالذين كفروا ينادون فيقال لهم إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم لأنفسكم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)([1067]).
وأخبرنا الله عز وجل أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: (أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)([1068]) فيكون الجواب (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) ([1069]).
وقال تعالى في المكذبين بالكتاب المشركين بالله(الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)([1070]).
وقال تعالى في الكفرة المشركين المسوين آلهتهم برب العالمين(فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)([1071]).
(2) عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين: فأهل الجنة يقولون لأهل النار (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)([1072])، فيجيبون قائلين: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)([1073]).
(3) طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر: فيما قرروه من مبادىء الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين، قال الله تعالى في ذلك (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ)([1074]).
وعندما يدخل الكفار النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء قال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا)([1075]).
(4) النفاق: وعد الله المنافقين النار، وبين أن مكانهم من النار هو الدرك الأسفل: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)([1076]).
(5) الكبر: وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1077])، وقد جاء في الصحيح أن النار يدخلها الجبارون والمتكبرون.
ففي صحيح البخار ي ومسلم وسنن الترمذي عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)([1078]).
وفي رواية لمسلم: (.. كُلُّ جَوَّاظ ٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ)([1079]).
ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)([1080]) وقوله: ( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)([1081]).



المطلب الثالث والعشرون: أشخاص بأعيانهم في النار


أخبرنا الله عن الكفار والمشركين والمنافقين أنهم في النار، وذكر بعض الأشخاص بأعيانهم، وبين أنهم من أهل النار، ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن لا نشهد لأحد بعينه في النار إلا من شهد الله له ورسوله صلى الله عليه وسلم ([1082])، لذلك كان لزاماً علينا أن نعرف من الذين شهد الله لهم ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنار، وبتتبع آيات القرآن تبين لنا الذين سماهم الله من أهل النار:
(1) إبليس: أما إبليس فالآيات فيه كثيرة ودخوله النار من المعلوم بالدين بالضرورة، بل معلوم في جميع الأديان، كمثل قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)([1083]) وقال تعالى لإبليس: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1084]).
(2) فرعون وجنوده: أخبرنا سبحانه وتعالى عن فرعون وجنوده أنهم في النار (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)([1085])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ)([1086])،وقوله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)([1087]).
* قارون وهامان: قال تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)([1088])، وقال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ)([1089])، وهذه عقوبة معجلة في الدنيا.
(3) امرأة نوح وامرأة لوط: كما أخبرنا تعالى عن امرأة نوح وامرأة لوط، فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)([1090]).
(4) أبو لهب وامرأته: كما أخبرنا تعالى عن أبي لهب وامرأته، فقال: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)([1091]).
(5) الوليد بن المغيرة: وهو المقصود بقوله تعالى: ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)([1092]).
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لم؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمداً لتعرضه لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك إنك منكر له أو إنك كاره له، قال: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً)([1093]).
* عمرو بن عامر الخزاعي: كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ)([1094]).
وكما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن الأقوام السابقين، مثل قوم نوح، وعاد،
وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وغيرهم ممن ذكرهم في كتابه العزيز.



المطلب الرابع والعشرون: ذنوب متوعد عليها بالنار


جاءت النصوص تبين أن الله توعد على ذنوب في النار، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه الذنوب:
أولاً: الافتراق الحاصل في هذه الملة: وأنها على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (أَلا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ)([1095]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيه: (هو حديث صحيح مشهور)، وصححه الشاطبي في (الاعتصام)، وقد جمع الشيخ الألباني طرقه وتكلم على أسانيده، وبين أنه حديث صحيح لا شك في صحته([1096]).
ثانياً: الجور في الحكم: قال صلى الله عليه وسلم : (الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ)([1097])، فمن جار في الحكم أو قضى للناس على جهل فهو في النار، ومن عرف الحق وقضى به فهو في الجنة.
ثالثاً: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)([1098])، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ)([1099])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)([1100]).
رابعاً: الكبر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)([1101])، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)([1102]).
خامساً: قتل النفس بغير الحق، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)([1103]) فلا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي
وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)([1104]).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضاً،وأخبر أن القاتل والمقتول
في النار، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)([1105]).
ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)([1106]).
سادساً: أكل الربا: وهي من الذنوب التي توبق صاحبها، وقد قال الله في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له(وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1107])، وقال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)([1108]) وقد عده الرسول صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ
الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ)([1109]).
سابعاً: أكل أموال الناس بالباطل وأكل أموال اليتامي: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)([1110]).
ومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلماً، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم، ولشناعة هذه الجريمة قال تعالى فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)([1111]).

ثامناً: التصوير: فالمصورون أشد عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون خلق الله، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ)([1112])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ)([1113])، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في النمرقة التي فيها تصاوير: (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)([1114])، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)([1115])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً)([1116]).
عاشراً:الركون إلى الظالمين: ومن أسباب دخول النار الركون إلى الظالمين أعداء الله وموالاتهم: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ)([1117]).
الحادي عشر: الوعيد الشديد للكاسيات العاريات: وهن الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتنَّ عباد الله، ولا يستقمنَّ على طاعة الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)([1118]).
قال القرطبي رحمه الله : (والكاسيات العاريات كثيرات في زماننا)، ولعله لم يسبق أن انتشرت فتنتهن كما انتشرت في زماننا، وهنَّ على النعت الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم : (كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ).
الثاني عشر: المعذب للحيوان: فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)([1119])، فإذا كان هذا حال من يعذب هرة، فكيف من يتفنن في تعذيب العباد؟ فكيف إذا كان التعذيب للصالحين منهم بسبب إيمانهم وإسلامهم كما يفعل في كثير من بلاد الكفار.
الثالث عشر: الذين يشربون أو يأكلون في آنية الذهب والفضة: فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)،وفي رواية أخرى: (..أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ..)([1120]).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ)([1121]).
الرابع عشر: الوعيد للمنتحر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)([1122]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)([1123]).
الخامس عشر: وجاء الوعيد للذي لا يخلص في طلب العلم: ومن الأحاديث التي تدل على عظم ذنب هذه المعصية، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا)([1124]).
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَلا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ)([1125])، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) ([1126]).
ويكفي تحذيراً من هذه الكبيرة ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (..إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)([1127]).
وغير ذلك من الأعمال التي توعد الله عليها بالنار.



المطلب الخامس والعشرون: أهل النار


أهل النار هم الذين لا يخرجون منها أبداً، وقد ذكر الله تبارك وتعالى الكثير من الأصناف وسماهم أصحاب النار، وبالنظر إلى الآيات الكريمات يتبين لنا أن هذه الأصناف ترجع إلى نوعين هما:
الأول: الكفار والمشركون، حتى المنافق فإنه يرجع في الحقيقة إلى الكافر _ لأنه يبطن الكفر ويظهر الإسلام _ والمرتد أيضاً كافر، قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1128]).
والمخلدون في النار من أهل الكتاب إما كفار أو مشركون، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)([1129]).
والكفر غير الشرك كما دلت عليه هذه الآية، لأن العطف يقتضي المغايرة، فالكافر: هو الذي يجحد الإله، أو يجحد حقوقه([1130])، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1131]). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1132])،
(وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)([1133]).
الثاني: المشرك: هو الذي يجعل مع الله إلهاً آخر([1134])، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)([1135]).
قوله: (دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين، وقابل هذا التوحيد بقوله: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، فدل أن الشرك ضد التوحيد، فإن كان التوحيد هو إفراد الله بالدعاء والعبادة، فالشرك جعل إله آخر مع الله في الدعاء والعبادة.
وحكم المشرك أنه مخلد في نار جهنم، قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)([1136]).
والكفر والشرك ينطبق عليهما اصطلاح: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا([1137]) فأحيانا يطلق الكفر ويراد به الشرك، وأحياناً يطلق الشرك ويراد به الكفر، وذلك أن المشرك جحد انفراد الله تعالى بالألوهية؛ فهو كافر من هذه الناحية، والكافر اتخذ إلهه هواه فهو مشرك من هذه الناحية، ولكن إذا اجتمع الكفر والشرك؛ فإن الفرق بينهما كما بينا سابقاً.
ومن إطلاق الكفر على الشرك قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً
إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ
سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)([1138]).
وقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)([1139])، وقوله: (تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ)([1140]).
ومن إطلاق الشرك على الكفر: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)([1141]).
هذا وقد بين الله تعالى لنا أن ما دون الشرك من المعاصي فإنه يغفرها كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)([1142]). فهذا يدل أن الشرك لا يغفر، وكذلك الكفر فهو لا يغفر، والاستدلال عليه من جهتين هما:
أولاً: أن الشرك إذا أطلق وحده دخل الكفر معه، فيكون الكفر داخلاً في هذه الآية.
ثانياً: أن الله تعالى قال: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، والكفر ليس دون ذلك بل
هو مساو للشرك في الإثم، ويدل على هذا صراحة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)([1143]).
وبهذا يتبين لنا أنه لا يبقى في النار خالداً أبداً إلا الكافر والمشرك، وقد دلت على ذلك أيضاً أحاديث في هذا المعنى، منها:
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)، وفي رواية أخرى: (مِنْ إِيمَانٍ)([1144]).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) ([1145]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا)قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ
تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)..)([1146]).



المطلب السادس والعشرون: كثرة أهل النار


جاءت النصوص الكثيرة تدل على كثرة أهل النار، وقلة أهل الجنة، وذلك لكثرة الكافرين الذين رفضوا دعوة الرسل _ عليهم الصلاة والسلام _ قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)([1147])، وقال تعالى: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1148]).
ويدل على ذلك أيضاً أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ومنهم من يأتي معه الرجل والرجلان، ومنهم من يأتي ومعه الرهط _ أي الجماعة من الناس دون العشرة _ ففي صحيح مسلم عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ..)([1149]).
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)) فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: (أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)([1150]).
والسبب في كثرة أهل النار عدم اتباعهم لرسل الله، وركونهم إلى الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)([1151])، وجاء في الحديث: (حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)([1152]).



المطلب السابع والعشرون: أكثر من يدخل النار النساء


عصاة الموحدين منهم من يدخل النار على قدر عمله، ثم يخرج منها بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأكثر هؤلاء الداخلين من النساء، حيث جاء في الحديث الصحيح: (اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)([1153])، وجاء في الحديث الآخر: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ )([1154])، وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه : (وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)([1155]).، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)([1156]).
وهذا لا ينافي أن الرجل له أكثر من زوجة في الجنة، لأن اللواتي يدخلن النار من ذرية آدم،أما الزوجات في الجنة فمنهن من نساء الدنيا،ومنهن من الحور العين.
وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى، والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها، ومع ذلك هنَّ أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن مُعْرضات عن الآخرة بأنفسهن،صارفات غيرهن عنها،سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين)([1157]).
ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته، ويُطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيراً من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.



المطلب الثامن والعشرون: عظم خلق أهل النار


أهل النار يدخلونها على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، جاء في الحديث: (مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ)([1158]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)([1159]).
وقال زيد بن أرقم: (إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ الضِّرْسُ مِنْ أَضْرَاسِهِ كَأُحُدٍ )([1160]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ)([1161]).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مِثْلُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ) ([1162]).
وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي رحمه الله في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: (هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به)([1163]).
وقال ابن كثير رحمه الله معلقاً على ما أورده من هذه الأحاديث: (ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال تعالى (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)([1164]))([1165]).



المطلب التاسع والعشرون: كيفية دخول أهل النار النار


لقد بين الله تعالى لنا كيفية دخول أهل النار في آيات كثيرة، وسوف نوضحها بإذن الله تعالى كالتالي: عندما يُكتب على العبد الشقاوة ويكون من أهل النار يأمر الله تعالى الملائكة أن تقيده وتغله، قال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ)([1166]).
والغل: هو ما يقيد به، وهذا القيد يكون في عنقه، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1167])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)([1168]).
وهذه الأغلال عبارة عن سلاسل الحديد، كما قال تعالى: ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)([1169])، ثم تجمع الملائكة نواصيهم مع أقدامهم: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)([1170]).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يجمع بين رأسه ورجليه ثم يقصف كما يقصف الحطب)([1171]).
قوله تعالى: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)، أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال الأعمش عن ابن عباس رضي الله عنهما: (يؤخذ بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط بقدمه ويفتل ظهره)([1172]).
ثم يساقون إلى النار سوقاً شديداً ويدفعون إليها دفعاً: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)([1173])، والدع : معناه: الدفع الشديد.
ثم إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها في وجوههم بغتة حتى يصيبهم عذاب الفزع (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)([1174])، ثم يلقون فيها إلقاءً، من مكان ضيق وهم مكتفون: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً)([1175])مقرنين:أي مشدودين ومربوطين،وهذا الربط بالأصفاد وهي الأغلال (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)([1176]). وهذا الإلقاء إنما يكون على وجوههم، قال تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)([1177])، وقال تعالى: ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)([1178]) ثم يلقى بعضهم على بعض،قال تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)([1179])، ومعنى كبكبوا: ألقي بعضهم على بعض. ثم يكون بعد ذلك أنواع العذاب وأصناف النكال وأشد الآلام.
المطلب الثلاثون: كيف يتقي الإنسان النار:
بعد ما تبين لنا من صفة النار، وما أعد الله تعالى فيها من العذاب لمن يدخلها، وبعد أن بين لنا صفات أهلها وحذرنا منها؛ بين لنا سبحانه كيف نتقيها وما الأسباب المانعة من النار، فمن ذلك:
أولاً: الدعاء: بأن يلهج المؤمن بطلب النجاة من النار، فإن الله لا يخيب من رجاه، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)([1180]).
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)([1181]).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً)([1182]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ)([1183]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)([1184]).
ثانياً: الأعمال الصالحة: والمراد بالعمل الصالح ما كان خالصاً لوجه الله موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([1185]). وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)([1186]).
قال ابن كثير رحمه الله : (قال أبو العالية والربيع: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ)، يقول: من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ)،أخلص(وجهه)، قال:دينه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده.
والآخر: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة.
فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)([1187])
وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يكن يخلص عامله القصد لله فهو أيضاً مردود على فاعله، هذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)([1188])، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)([1189]).
ولهذا قال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([1190])، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)([1191]).
لما ذكر الله تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)([1192]) وقال: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)([1193])، فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب)([1194]).
ثالثاً: الاستغفار: والاستغفار هو طلب المغفرة، وهو نوع من أنواع الدعاء، ولكنه أخص منه، فهو خاص بطلب مغفرة الذنوب التي هي سبب لدخول النار، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)([1195]).
رابعاً: خوف الله والدار الآخرة: فمن خاف ذلك اليوم أمنَّه الله تعالى فيه، فإن الله تعالى لا يجمع على عبد خوفين في الدنيا وفي الآخرة،قال تعالى: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً)([1196]) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)([1197])، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)([1198])، وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)([1199]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)([1200]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)([1201]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا
صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ)([1202]).
خامساً: الصدقة: قال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)([1203]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ..)([1204]).
السادس: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم : وعموماً فمن أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد فاز ونجا من النار،قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً)([1205]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)([1206]).



09-04-2019 01:46 AM
#4  

افتراضيرد: ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

المطلب الخامس والعشرون: أهل النار


أهل النار هم الذين لا يخرجون منها أبداً، وقد ذكر الله تبارك وتعالى الكثير من الأصناف وسماهم أصحاب النار، وبالنظر إلى الآيات الكريمات يتبين لنا أن هذه الأصناف ترجع إلى نوعين هما:
الأول: الكفار والمشركون، حتى المنافق فإنه يرجع في الحقيقة إلى الكافر _ لأنه يبطن الكفر ويظهر الإسلام _ والمرتد أيضاً كافر، قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1128]).
والمخلدون في النار من أهل الكتاب إما كفار أو مشركون، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)([1129]).
والكفر غير الشرك كما دلت عليه هذه الآية، لأن العطف يقتضي المغايرة، فالكافر: هو الذي يجحد الإله، أو يجحد حقوقه([1130])، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1131]). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1132])،
(وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)([1133]).
الثاني: المشرك: هو الذي يجعل مع الله إلهاً آخر([1134])، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)([1135]).
قوله: (دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين، وقابل هذا التوحيد بقوله: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، فدل أن الشرك ضد التوحيد، فإن كان التوحيد هو إفراد الله بالدعاء والعبادة، فالشرك جعل إله آخر مع الله في الدعاء والعبادة.
وحكم المشرك أنه مخلد في نار جهنم، قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)([1136]).
والكفر والشرك ينطبق عليهما اصطلاح: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا([1137]) فأحيانا يطلق الكفر ويراد به الشرك، وأحياناً يطلق الشرك ويراد به الكفر، وذلك أن المشرك جحد انفراد الله تعالى بالألوهية؛ فهو كافر من هذه الناحية، والكافر اتخذ إلهه هواه فهو مشرك من هذه الناحية، ولكن إذا اجتمع الكفر والشرك؛ فإن الفرق بينهما كما بينا سابقاً.
ومن إطلاق الكفر على الشرك قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً
إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ
سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)([1138]).
وقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)([1139])، وقوله: (تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ)([1140]).
ومن إطلاق الشرك على الكفر: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)([1141]).
هذا وقد بين الله تعالى لنا أن ما دون الشرك من المعاصي فإنه يغفرها كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)([1142]). فهذا يدل أن الشرك لا يغفر، وكذلك الكفر فهو لا يغفر، والاستدلال عليه من جهتين هما:
أولاً: أن الشرك إذا أطلق وحده دخل الكفر معه، فيكون الكفر داخلاً في هذه الآية.
ثانياً: أن الله تعالى قال: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، والكفر ليس دون ذلك بل
هو مساو للشرك في الإثم، ويدل على هذا صراحة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)([1143]).
وبهذا يتبين لنا أنه لا يبقى في النار خالداً أبداً إلا الكافر والمشرك، وقد دلت على ذلك أيضاً أحاديث في هذا المعنى، منها:
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)، وفي رواية أخرى: (مِنْ إِيمَانٍ)([1144]).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) ([1145]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا)قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ
تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)..)([1146]).



المطلب السادس والعشرون: كثرة أهل النار


جاءت النصوص الكثيرة تدل على كثرة أهل النار، وقلة أهل الجنة، وذلك لكثرة الكافرين الذين رفضوا دعوة الرسل _ عليهم الصلاة والسلام _ قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)([1147])، وقال تعالى: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)([1148]).
ويدل على ذلك أيضاً أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ومنهم من يأتي معه الرجل والرجلان، ومنهم من يأتي ومعه الرهط _ أي الجماعة من الناس دون العشرة _ ففي صحيح مسلم عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ..)([1149]).
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)) فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: (أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)([1150]).
والسبب في كثرة أهل النار عدم اتباعهم لرسل الله، وركونهم إلى الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)([1151])، وجاء في الحديث: (حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)([1152]).



المطلب السابع والعشرون: أكثر من يدخل النار النساء


عصاة الموحدين منهم من يدخل النار على قدر عمله، ثم يخرج منها بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأكثر هؤلاء الداخلين من النساء، حيث جاء في الحديث الصحيح: (اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)([1153])، وجاء في الحديث الآخر: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ )([1154])، وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه : (وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)([1155]).، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)([1156]).
وهذا لا ينافي أن الرجل له أكثر من زوجة في الجنة، لأن اللواتي يدخلن النار من ذرية آدم،أما الزوجات في الجنة فمنهن من نساء الدنيا،ومنهن من الحور العين.
وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى، والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها، ومع ذلك هنَّ أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن مُعْرضات عن الآخرة بأنفسهن،صارفات غيرهن عنها،سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين)([1157]).
ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته، ويُطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيراً من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.



المطلب الثامن والعشرون: عظم خلق أهل النار


أهل النار يدخلونها على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، جاء في الحديث: (مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ)([1158]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)([1159]).
وقال زيد بن أرقم: (إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ الضِّرْسُ مِنْ أَضْرَاسِهِ كَأُحُدٍ )([1160]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ)([1161]).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مِثْلُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ) ([1162]).
وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي رحمه الله في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: (هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به)([1163]).
وقال ابن كثير رحمه الله معلقاً على ما أورده من هذه الأحاديث: (ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال تعالى (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)([1164]))([1165]).



المطلب التاسع والعشرون: كيفية دخول أهل النار النار


لقد بين الله تعالى لنا كيفية دخول أهل النار في آيات كثيرة، وسوف نوضحها بإذن الله تعالى كالتالي: عندما يُكتب على العبد الشقاوة ويكون من أهل النار يأمر الله تعالى الملائكة أن تقيده وتغله، قال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ)([1166]).
والغل: هو ما يقيد به، وهذا القيد يكون في عنقه، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)([1167])، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)([1168]).
وهذه الأغلال عبارة عن سلاسل الحديد، كما قال تعالى: ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)([1169])، ثم تجمع الملائكة نواصيهم مع أقدامهم: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)([1170]).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يجمع بين رأسه ورجليه ثم يقصف كما يقصف الحطب)([1171]).
قوله تعالى: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)، أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال الأعمش عن ابن عباس رضي الله عنهما: (يؤخذ بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط بقدمه ويفتل ظهره)([1172]).
ثم يساقون إلى النار سوقاً شديداً ويدفعون إليها دفعاً: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)([1173])، والدع : معناه: الدفع الشديد.
ثم إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها في وجوههم بغتة حتى يصيبهم عذاب الفزع (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)([1174])، ثم يلقون فيها إلقاءً، من مكان ضيق وهم مكتفون: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً)([1175])مقرنين:أي مشدودين ومربوطين،وهذا الربط بالأصفاد وهي الأغلال (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)([1176]). وهذا الإلقاء إنما يكون على وجوههم، قال تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)([1177])، وقال تعالى: ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)([1178]) ثم يلقى بعضهم على بعض،قال تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)([1179])، ومعنى كبكبوا: ألقي بعضهم على بعض. ثم يكون بعد ذلك أنواع العذاب وأصناف النكال وأشد الآلام.
المطلب الثلاثون: كيف يتقي الإنسان النار:
بعد ما تبين لنا من صفة النار، وما أعد الله تعالى فيها من العذاب لمن يدخلها، وبعد أن بين لنا صفات أهلها وحذرنا منها؛ بين لنا سبحانه كيف نتقيها وما الأسباب المانعة من النار، فمن ذلك:
أولاً: الدعاء: بأن يلهج المؤمن بطلب النجاة من النار، فإن الله لا يخيب من رجاه، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)([1180]).
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)([1181]).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً)([1182]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ)([1183]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)([1184]).
ثانياً: الأعمال الصالحة: والمراد بالعمل الصالح ما كان خالصاً لوجه الله موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([1185]). وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)([1186]).
قال ابن كثير رحمه الله : (قال أبو العالية والربيع: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ)، يقول: من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ)،أخلص(وجهه)، قال:دينه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده.
والآخر: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة.
فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)([1187])
وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يكن يخلص عامله القصد لله فهو أيضاً مردود على فاعله، هذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)([1188])، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)([1189]).
ولهذا قال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)([1190])، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)([1191]).
لما ذكر الله تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)([1192]) وقال: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)([1193])، فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب)([1194]).
ثالثاً: الاستغفار: والاستغفار هو طلب المغفرة، وهو نوع من أنواع الدعاء، ولكنه أخص منه، فهو خاص بطلب مغفرة الذنوب التي هي سبب لدخول النار، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)([1195]).
رابعاً: خوف الله والدار الآخرة: فمن خاف ذلك اليوم أمنَّه الله تعالى فيه، فإن الله تعالى لا يجمع على عبد خوفين في الدنيا وفي الآخرة،قال تعالى: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً)([1196]) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)([1197])، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)([1198])، وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)([1199]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)([1200]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)([1201]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا
صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ)([1202]).
خامساً: الصدقة: قال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)([1203]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ..)([1204]).
السادس: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم : وعموماً فمن أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد فاز ونجا من النار،قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً)([1205]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)([1206]).





09-04-2019 01:46 AM
#5  

افتراضيرد: ملف كامل عن النار من كتاب مباحث في العقيدة عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

المراجع
[915] ـ آل عمران: 192.
[916] ـ التوبة: 63.
[917] ـ الزمر: 15.
[918] ـ الفرقان: 66.
[919] ـ ص: 55، 56.
[920] ـ القصص: 88.
[921] ـ آل عمران: 185.
[922] ـ رواه الترمذي، وحسنه الألباني في جامع الترمذي (5/510) رقم (3462).
[923] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (5/511) رقم (3464) .
[924] ـ التحريم: 5.
[925] ـ القصص: 88.
[926] ـ شرح الطحاوية في العقيدة السلفية(3/39).
[927] ـ الفرقان: 11.
[928] ـ الملك: 5.
[929] ـ رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (4/449) رقم (2141).
[930] ـ الملك: 6.
[931] ـ النبأ: 21.
[932] ـ رواه البخاري _ كتاب مواقيت الصلاة _ باب الإبراد بالظهر في شدة الحر (502).
[933] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها _ باب في شدة حر جهنم وبعد قعرها (5078).
[934] ـ المعارج: 15ـ 18.
[935] ـ مفردات ألفاظ القرآن للراغب ص740.
[936] ـ الليل: 14، 15.
[937] ـ المدثر: 26ـ 30.
[938] ـ القمر: 48.
[939] ـ رواه مسلم _ كتاب القدر _ باب كل شيء بقدر (4800).
[940] ـ لسان العرب (4/372).
[941] ـ القارعة: 9ـ 11.
[942] ـ رواه النسائي، وصححه الألباني في سنن النسائي (4/8) رقم (1833).
[943] ـ الهمزة: 4ـ 9.
[944] ـ رواه البخاري _ كتاب تفسير القرآن _ سورة (ويل لكل همزة لمزة).
[945] ـ رواه البخاري _ كتاب الجمعة _ باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة (1136)، ومسلم _ كتاب الكسوف _ باب صلاة الكسوف (1500).
[946] ـ الدخان: 47.
[947] ـ رواه النسائي، و صححه الألباني في سنن النسائي (4/129) رقم (2106)،وأصله في الصحيحين.
[948] ـ الهمزة: 6.
[949] ـ التحريم: 6.
[950] ـ المدثر: 26ـ 30.
[951] ـ المدثر: 31.
[952] ـ غافر: 49.
[953] ـ الزخرف: 77.
[954] ـ تفسير القرآن ابن كثير (7/241).
[955] ـ رواه البخاري _ كتاب الجنائز _ باب ما قيل في أولاد المشركين (1297).
[956] ـ العلق: 18.
[957] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (5/444) رقم (3349) .
[958] ـ رواه البخاري _ كتاب تفسير القرآن _ باب قوله تعالى: (كلا لئن لم ينته لنسفعا...)(4576).
[959] ـ التحريم: 6.
[960] ـ الزمر: 71، 72.
[961] ـ الملك: 8ـ 11.
[962] ـ غافر: 49ـ 50.
[963] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها_ باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (5090)
[964] ـ ق: 30.
[965] ـ رواه البخاري ـ تفسير القرآن ـ باب قوله تعالى: (هل من مزيد)(4472).
[966] ـ رواه البخاري _ كتاب الأيمان والنذورـ باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته (6168)، ومسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها _ باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (5085).
[967] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة _ باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها (5078).
[968] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (4/702) رقم (2575).
[969] ـ سبق تخريجه ص297.
[970] ـ رواه الطحاوي مشكل الآثار (1/190)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (ج3 رقم 5692).
[971] ـ رواه البيهقي وغيره، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/242) رقم (124).
[972] ـ النساء: 145.
[973] ـ آل عمران: 163.
[974] ـ الأنعام: 132.
[975] ـ آل عمران: 162، 163.
[976] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها _ باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها(5080).
[977] ـ رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج3 رقم 3686).
[978] ـ النساء: 145.
[979] ـ رواه مسلم _ كتاب الإيمان _ باب أهون أهل النار عذاباً (311).
[980] ـ رواه مسلم _ كتاب الإيمان _ باب أهون أهل النار عذاباً (312).
[981] ـ رواه البخاري _ كتاب المناقب _ باب قصة أبي طالب (3594)، ومسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه (308).
[982] ـ رواه البخاري _ كتاب الرقاق _ صفة الجنة والنار (6077)، ومسلم _ كتاب الإيمان _ باب أهون أهل النار عذاباً (313).
[983] ـ الحجر: 44.
[984] ـ الزمر: 71.
[985] ـ البلد: 20.
[986] ـ الهمزة: 8، 9.
[987] ـ رواه البخاري _ كتاب بدء الخلق _ باب صفة إبليس وجنوده(3035)، ومسلم _ كتاب الصيام _ باب فضل شهر رمضان (1793).
[988] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (3/66) رقم (682).
[989] ـ رواه البخاري ـ كتاب مواقيت الصلاة ـ باب الإبراد بالظهر من شدة الحر (504)، ومسلم ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة ـ باب استحباب الإبراد بالظهر (978).
[990] ـ الهمزة: 8، 9.
[991] ـ البلد: 20.
[992] ـ التحريم: 6.
[993] ـ البقرة: 24.
[994] ـ تفسير القرآن لابن كثير (1/201).
[995] ـ كتاب التخويف من النار لابن رجب ص107.
[996] ـ الأنبياء: 98، 99.
[997] ـ الواقعة: 41ـ 44.
[998] ـ المرسلات: 30، 31.
[999] ـ الإسراء: 97.
[1000] ـ المدثر: 26ـ 28.
[1001] ـ رواه البخاري ـ كتاب بدء الخلق ـ باب صفة النار (3025)، ومسلم ـ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ـ باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها (5077).
[1002] ـ النبأ: 30.
[1003] ـ الإسراء: 97.
[1004] ـ البقرة: 86.
[1005] ـ رواه مسلم ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها ـ باب إسلام عمرو بن عبسة (1374).
[1006] ـ سبق تخريجه ص319.
[1007] ـ سبق تخريجه ص319.
[1008] ـ الفرقان: 12.
[1009] ـ ق: 30.
[1010] ـ سبق تخريجه ص312.
[1011] ـ سبق تخريجه ص322.
[1012] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (4/701) رقم (2574).
[1013] ـ الفرقان: 11، 12.
[1014] ـ الملك: 7، 8.
[1015] ـ الفرقان: 12.
[1016] ـ الدخان: 43ـ 46.
[1017] ـ الواقعة: 51ـ 56.
[1018] ـ الصافات: 62ـ 66.
[1019] ـ الإسراء: 60.
[1020] ـ أخرجه البخاري _ كتاب المناقب _ باب المعراج _ رقم (3675).
[1021] ـ رواه الترمذي، وابن ماجة، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (ج3 رقم 5683).
[1022] ـ الغاشية: 6، 7.
[1023] ـ الدخان: 43ـ 46.
[1024] ـ الصافات: 62ـ 68.
[1025] ـ الواقعة: 51ـ 56.
[1026] ـ سبق تخريجه ص323.
[1027] ـ محمد: 15.
[1028] ـ المزمل: 12، 13.
[1029] ـ الحاقة: 35ـ 37.
[1030] ـ ص: 57، 58.
[1031] ـ تفسير القرطبي (15/222).
[1032] ـ الدخان: 47ـ 49.
[1033] ـ الواقعة: 54، 55.
[1034] ـ تفسير القرآن لابن كثير (7/538).
[1035] ـ الصافات: 67، 68.
[1036] ـ الحج: 19.
[1037] ـ إبراهيم: 49، 50.
[1038] ـ رواه مسلم ـ كتاب الجنائز ـ التشديد في النياحة (1550).
[1039] ـ رواه ابن ماجة،وصححه الألباني في سنن ابن ماجة (1/503) رقم (1581).
[1040] ـ رواه البخاري ـ كتاب النكاح ـ باب كفران العشير (4798)، ومسلم ـ كتاب الكسوف ـ باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف (1512).
[1041] ـ رواه البخاري ـ كتاب الأذان ـ باب ما يقول بعد التكبير (703).
[1042] ـ رواه مسلم ـ كتاب الكسوف ـ ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف (1508).
[1043] ـ سبق تخريجه ص319.
[1044] ـ رواه البخاري ـ كتاب بدء الخلق ـ باب صفة النار وأنها مخلوقة (3019).
[1045] ـ آل عمران: 102.
[1046] ـ رواه الترمذي، وابن ماجة، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (ج3 رقم 5683).
[1047] ـ شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (3/33، 40).
[1048] ـ البقرة: 80.
[1049] ـ يونس: 8.
[1050] ـ الحديد: 15.
[1051] ـ العنكبوت: 68.
[1052] ـ الزخرف: 74.
[1053] ـ فاطر: 36.
[1054] ـ رواه البخاري _ كتاب الرقاق _ باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب (6062).
[1055] ـ نفس المرجع السابق (6063).
[1056] ـ رواه البخاري _ كتاب الرقاق _ باب صفة الجنة والنار (6066).
[1057] ـ مريم: 39.
[1058] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها ـ باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء(5087).
[1059] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (4/693) رقم (2558).
[1060] ـ البقرة: 221.
[1061] ـ القصص: 41.
[1062] ـ ص: 82ـ 85.
[1063] ـ فاطر: 6.
[1064] ـ هود: 98.
[1065] ـ غافر: 41.
[1066] ـ رواه البخاري _ كتاب الفتن _ باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة (6557)، ومسلم _ كتاب الإمارة _ باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (3434).
[1067] ـ غافر: 10ـ 12.
[1068] ـ غافر: 50.
[1069] ـ الملك: 9.
[1070] ـ غافر: 70ـ 76.
[1071] ـ الشعراء: 94ـ 98.
[1072] ـ المدثر: 42.
[1073] ـ المدثر: 43ـ 47.
[1074] ـ فصلت: 25.
[1075] ـ الأحزاب: 67.
[1076] ـ النساء: 145.
[1077] ـ الأعراف: 36.
[1078] ـ رواه البخاري ـ كتاب تفسير القرآن ـ باب قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم)(4537)، ومسلم ـ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ـ باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (5092).
[1079] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها _ باب النار يدخلها الجبارون (5093)، والعتل هو الغليظ الجافي الذي لا ينقاد للخير، والزنيم: الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، أو هو اللئيم في أخلاق الناس، والجواظ: الذي جمع ومنع.
[1080] ـ الزمر: 60.
[1081] ـ الأحقاف: 20.
[1082] ـ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (2/537) بتصرف.
[1083] ـ الحشر: 16، 17.
[1084] ـ ص: 84، 85.
[1085] ـ هود: 98.
[1086] ـ القصص: 41، 42.
[1087] ـ غافر: 46، 47.
[1088] ـ العنكبوت: 39، 40.
[1089] ـ القصص: 81.
[1090] ـ التحريم: 10.
[1091] ـ المسد: 1ـ 5.
[1092] ـ المدثر: 11ـ 26.
[1093] ـ رواه الحاكم، وقال الذهبي: صحيح، وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية ص159.
[1094] ـ رواه البخاري ـ كتاب تفسير القرآن ـ باب قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام)(4257)، ومسلم ـ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ـ باب النار يدخلها الجبارون (5097).
[1095] ـ رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (2641).
[1096] ـ خرجه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/404) برقم (204).
[1097] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (3/613) رقم (1322).
[1098] ـ رواه البخاري ـ كتاب الجنائز ـ باب ما يكره من النياحة على الميت (1209).
[1099] ـ رواه البخاري ـ كتاب العلم ـ باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم (103)، ومسلم ـ المقدمة ـ باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
[1100] ـ رواه مسلم ـ المقدمة ـ باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
[1101] ـ رواه أبو داود، وابن ماجة، وأحمد، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (ج3 رقم 5110).
[1102] ـ رواه مسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب تحريم الكبر وبيانه (131).
[1103] ـ النساء: 93.
[1104] ـ رواه البخاري ـ كتاب الديات ـ باب قوله تعالى: (أن النفس بالنفس والعين بالعين..)(6370).
[1105] ـ رواه البخاري ـ كتاب الإيمان ـ باب قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..)(30)، ومسلم _ كتاب الفتن _ باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (5139).
[1106] ـ المائدة: 27ـ 29.
[1107] ـ البقرة: 275.
[1108] ـ البقرة: 131، 132.
[1109] ـ رواه البخاري ـ كتاب الوصايا ـ باب قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)(2560)، ومسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب بيان الكبائر وأكبرها (129).
[1110] ـ البقرة: 29، 30.
[1111] ـ النساء: 10.
[1112] ـ رواه البخاري ـ كتاب اللباس ـ باب عذاب المصورين يوم القيامة (5494)، ومسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة (3943).
[1113] ـ رواه مسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة (3945).
[1114] ـ رواه البخاري ـ كتاب النكاح ـ باب هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة (4783)، ومسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة (3941).
[1115] ـ رواه البخاري ـ كتاب اللباس ـ باب ما وطىء من التصاوير (5498)، ومسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة (3937).
[1116] ـ رواه البخاري ـ كتاب التوحيد ـ باب قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون..)(7004)، ومسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة (3947).
[1117] ـ هود: 113.
[1118] ـ رواه مسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات (3971).
[1119] ـ رواه البخاري ـ كتاب بدء الخلق ـ باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم (3071)، ومسلم ـ كتاب البر والصلة والآداب ـ باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها (4750).
[1120] ـ رواه مسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره (3847).
[1121] ـ رواه البخاري ـ كتاب الأشربة ـ باب آنية الفضة (5202)، ومسلم ـ كتاب اللباس والزينة ـ باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء (3850).
[1122] ـ رواه مسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (158).
[1123] ـ رواه البخاري ـ كتاب الجنائز ـ باب ما جاء في قاتل النفس (1276).
[1124] ـ رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1 رقم 105).
[1125] ـ رواه ابن ماجة،وابن حبان،والبيهقي،وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(ج1 رقم 105)
[1126] ـ رواه الترمذي، وابن ماجة، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (ج1 رقم85).
[1127] ـ رواه مسلم ـ كتاب الإمارة ـ باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (3527).
[1128] ـ البقرة: 217.
[1129] ـ البينة: 6.
[1130] ـ ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة، للقرني ص138، والموسوعة الفقهية الكويتية (5/8)، والتنبيهات المختصرة للخريصي ص 119.
[1131] ـ البقرة: 39.
[1132] ـ الأعراف: 36.
[1133] ـ غافر: 6.
[1134] ـ معارج القبول للحكمي (1/369)، والتنبيهات المختصرة للخريصي ص99، وضوابط التكفير للقرني ص101، والموسوعة الفقهية الكويتية (5/6).
[1135] ـ العنكبوت: 65.
[1136] ـ المائدة: 72.
[1137] ـ الموسوعة الفقهية الكويتية (5/8) والتنبيهات المختصرة للخريصي ص119.
[1138] ـ الزمر: 8.
[1139] ـ فصلت: 9.
[1140] ـ غافر: 42.
[1141] ـ فصلت: 6، 7 .
[1142] ـ النساء: 48.
[1143] ـ محمد: 34.
[1144] ـ رواه البخاري _ كتاب الإيمان _ باب زيادة الإيمان ونقصانه (42) واللفظ له، ومسلم _ كتاب الإيمان _ باب أدنى أهل الجنة منزلة (285).
[1145] ـ رواه البخاري _ كتاب الجنائز _ باب ما جاء في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله (1161).
[1146] ـ رواه البخاري ـ كتاب التوحيد ـ باب قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة)(6886)، ومسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب معرفة طريق الرؤية (269).
[1147] ـ سبأ: 20.
[1148] ـ ص: 85.
[1149] ـ رواه مسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (323).
[1150] ـ رواه البخاري ـ كتاب الرقاق ـ باب قوله تعالى: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم)(6049)، ومسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب قوله يقول الله لآدم أخرج بعث النار (327).
[1151] ـ آل عمران: 14.
[1152] ـ رواه البخاري ـ كتاب الرقاق ـ باب حجبت النار بالشهوات (6006).
[1153] ـ رواه البخاري ـ كتاب بدء الخلق ـ باب ما جاء في صفة الجنة (3002)،ومسلم _ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار _ باب أكثر أهل الجنة الفقراء (4920).
[1154] ـ رواه البخاري ـ كتاب الزكاة ـ باب الزكاة على الأقارب (1369)، ومسلم ـ كتاب الإيمان ـ باب بيان نقص الإيمان بنقص الطاعات (114).
[1155] ـ رواه البخاري ـ كتاب النكاح ـ باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه (4797)،رواه مسلم ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار _ باب أكثر أهل الجنة الفقراء (4919).
[1156] ـ رواه مسلم ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار _ باب أكثر أهل الجنة الفقراء (4921).
[1157] ـ التذكرة للقرطبي (1/369).
[1158] ـ رواه البخاري ـ كتاب الرقاق ـ باب صفة الجنة والنار(6069)،ومسلم ـ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ـ باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (5091).
[1159] ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها _ باب النار يدخلها الجبارون (5090).
[1160] ـ رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (1628).
[1161] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي(4/703) رقم (2577).
[1162] ـ رواه أحمد، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (3890).
[1163] ـ شرح النووي على مسلم (9/232).
[1164] ـ النساء: 56.
[1165] ـ النهاية لابن كثير (1/199).
[1166] ـ الحاقة: 30.
[1167] ـ الرعد: 5.
[1168] ـ سبأ: 33.
[1169] ـ غافر: 70ـ 72.
[1170] ـ الرحمن: 41.
[1171] ـ البعث والنشور للبيهقي ص286.
[1172] ـ تفسير القرآن لابن كثير (7/499).
[1173] ـ الطور: 13، 14.
[1174] ـ الزمر: 71.
[1175] ـ الفرقان: 13.
[1176] ـ إبراهيم: 49.
[1177] ـ النمل: 90.
[1178] ـ الزمر: 24.
[1179] ـ الشعراء: 94، 95.
[1180] ـ البقرة: 201.
[1181] ـ آل عمران: 191ـ 195.
[1182] ـ الفرقان: 75، 76.
[1183] ـ رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6275).
[1184] ـ رواه البخاري _ كتاب الدعوات _ باب فضل ذكر الله (5929)، ومسلم _ كتاب الذكر والدعاء والتوبة _ باب فضل مجالس الذكر (4854).
[1185] ـ الكهف: 110.
[1186] ـ البقرة: 112.
[1187] ـ رواه مسلم ـ كتاب الأقضية ـ باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3243).
[1188] ـ النساء: 142.
[1189] ـ الماعون: 4ـ 7.
[1190] ـ الكهف: 110.
[1191] ـ الأنبياء: 101.
[1192] ـ يونس: 26.
[1193] ـ الرحمن: 60.
[1194] ـ تفسير القرآن لابن كثير (1/385).
[1195] ـ الأنفال: 33.
[1196] ـ الإنسان: 6ـ 12.
[1197] ـ الملك: 12.
[1198] ـ الرعد: 21، 22.
[1199] ـ الرحمن: 46.
[1200] ـ رواه الترمذي، والنسائي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج2 رقم 1269).
[1201] ـ رواه الترمذي، وصححه الألباني في جامع الترمذي (4/175) رقم (1639).
[1202] ـ رواه البخاري _ كتاب أحاديث الأنبياء _ باب حديث الغار (3222)، ومسلم _ كتاب التوبة _ باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه (4950).
[1203] ـ الليل:17ـ 21.
[1204] ـ رواه البخاري _ كتاب الزكاة _ باب الزكاة على الأقارب (1369).
[1205] ـ الفتح: 17.
[1206] ـ رواه البخاري _ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة _ باب الإقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم (6737).



إعداد
مباحث في العقيدة
الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
أستاذ الدراسات العليا بجامعة القصيم




الكلمات الدلالية (Tags)
في, كامل, كتاب, ملف, من, مباحث, محمد, أحمد, الله, النار, الطيار, العقيدة, بن, عن, عبد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:30 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11 Beta 4
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2019 DragonByte Technologies Ltd.

خيارات الاستايل

  • عام
  • اللون الأول
  • اللون الثاني
  • الخط الصغير
  • اخر مشاركة
  • لون الروابط
إرجاع خيارات الاستايل