المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير الشيخ الشعراوى(سورة التوبة)86-89


امانى يسرى محمد
10-19-2023, 07:43 PM
{وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)}

هكذا شاء الحق أن يفضح المنافقين، هؤلاء الذين استمرأوا الاستمتاع بنفس حقوق المؤمنين لمجرد إعلانهم الإسلام، بينما تبطن قلوبهم الكفر والكيد للمسلمين. وقوله الحق: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بالله وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} هو خطاب للمنافقين يكشف بطلان إيمانهم؛ ولذلك جاء قوله الحق: {أَنْ آمِنُواْ} أي: اجعلوا قلوبكم صادقة مع ألسنتكم، فالله يريد إيماناً بالقلب واللسان، فيتفق السلوك مع العقيدة. وقول الحق: {وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} أي: انفروا للجهاد مع رسول الله، فهذا هو التعبير العملي عن الإيمان، ولا تفرحوا بتخلفكم عن القتال في سبيل الله؛ لأن الجهاد والقتال في سبيل الله شرف كبير له ثواب عظيم. وامتناع إنسان عن الجهاد هو تنازل عن خير كبير، فالحق سبحانه يعطي جزيل الأجر لمن جاهد جهاداً حقيقيّاً.

ويقول الحق سبحانه وتعالى: {استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ} و(استأذن) من مادة استفعل، وتأتي للطلب، كأن تقول: (استفهم) أي: طلب أن يفهم، و(استعلم) أي: طلب أن يعلم. إذن: فقوله: {استأذنك} أي: طلبوا الإذن، ولأنهم يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر، تجدهم ساعة النداء للجهاد لا يقفون مع المؤمنين، وكان من المفروض أن يكونوا بين المجاهدين، وأن يجدوا في ذلك فرصة لإعلان توبتهم؛ ورجوعهم إلى الحق فيكون جهادهم تكفيراً عما سبقه من نفاق، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل طلبوا الإذن بالقعود.
ومن الذي طلب الإذن؟
إنهم أولو الطَّوْل. و(أولو) معناها أصحاب القوة والقدرة. و(الطَّوْل) هو أن تطول الشيء، أيك تحاول أن تصل إليه، فإذا لم تصل يدك إليه؛ يقال: إن هذا الشيء يدك لم تَطُلْه، أي: لم يكن في متناول يدك.
و{أُوْلُواْ الطول} أي: الذين يملكون مقومات الجهاد من سلامة البدن من الأمراض ووجود القوة، ولا يعانون من ضعف الشيخوخة، وأن يكون الإنسان قد بلغ مبلغ الرجولة وليس صبيّاً صغيراً؛ لأن الشيخ الكبير ضعيف لا يقدر على الجهاد، وكذلك الصبي الصغير لا يملك جَلَداً على الحرب. وأيضاً نجد المريض الذي قد يعوقه مرضه عن الحركة.
أما أولو الطول فهم الذين يملكون كل مقومات الحرب، من قوة بدنية وسلاح، والذين لم يبلغوا سن الشيخوخة، ولا هم صبيان صغار ولا مرضى.

إذن: فعندما تنزل آية فيها الجهاد، فالذين يستأذنون ليسوا أصحاب أعذار- لأنهم معفون- لكن الاستئذان يأتي من المنافقين الذي تتوافر فيهم كل شروط القتال، ويستأذنون في القعود وعدم الخروج للقتال. ويقولون ما يخبرنا الحق به: {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين} والقاعد مقابله القائم. والقيام- كما نعلم- هو مقدمة للحركة. فإذا أراد الإنسان أن يمشي، قام من مكانه أولاً، ثم بدأ المشي والحركة، ومن القيام أخذتْ مادة(القوم) أي: الجماعة القائمة على شئونها، والقوم هم الرجال، أما النساء فلا يدخلن في القوم، مصداقاً لقول الحق: {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ...} [الحجرات: 11].
إذن: فالقيام يقابله القعود، والقوم يقابلهم النساء. والقعود هو مقدمة للسكون، فمتى جلس الإنسان فهناك مقدمة لفترة من السكون، وقعود المنافقين وتخلفهم واستئذانهم أن يبقوا مع النساء والعجزة والمرضى والصبية هو حَطٌّ من شأنهم.
ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف...} [التوبة: 87].



{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)}

و{الخوالف} ليست جمع (خَالِف) ولكنها جمع (خالفة)؛ لأن (خَالف): لا تجمع على (فواعل) ، وإنما(خالفه) هي التي تُجمَعُ على(فواعل) ، وهم قد ارتضوا لأنفسهم أن يطبق عليهم الحكم الذي يُطبق على النساء.
ولذلك كانوا {لاَ يَفْقَهُونَ} لأنهم ارتضوا لأنفسهم وصفاً لا يليق بالرجال وفرحوا بهذا الوصف دون أن ينتبهوا لما فيه من إهانة لهم؛ لأنهم يهربون من القتال كما تهرب النساء. والمنافق- كما قلنا- له ملكتان: ملكية قولية، وملكة قلبية. فقول المنافق إعلان بالإيمان، أما قلبه فهو ممتلئ بالكفر؛ وفي هذه الحالة تتضارب ملكاته.
والله سبحانه وتعالى يوضح لهم: سوف نعاملكم في الدنيا بظاهر كلامكم، ونعاملكم في الآخرة بباطن قلوبكم، وسوف نطبع على هذه القلوب؛ فلا يخرج منها كفر، ولا يدخل إليها إيمان، ولذلك قال الحق سبحانه هنا {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ}.
وقد قال الحق سبحانه: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ...} [البقرة: 7].
وقال سبحانه: {وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ...} [التوبة: 93].
وما دام الكافر قد أعجبه كفر قلبه؛ فالحق سبحانه يختم على قلبه، بحيث لا يخرج ما فيه من كفر، ولا يدخل إلى قلبه؛ ما هو خارجه من إيمان، تماماً كما تختم الشيء بالشمع الأحمر؛ فيظل ما في داخله كما هو، وما في خارجه كما هو. ويطبع الله على قلبه؛ فيمنع ما فيه من الكفر أن يخرج، ويمنع ما في خارجه من الإيمان أن يدخل إليه.
ويقول الحق سبحانه وتعالى: {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} والفقه هو الفهم، أي: لا يفهمون ما حُرِموا منه من ثواب ونعيم الآخرة؛ لأنهم قد فرحوا بتخلفهم عن الجهاد، وهم يحسبون أن هذا خيراً لهم ولكنه شر لهم.
ثم يريد الحق سبحانه أن يضع الطمأنينة في نفوس المؤمنين، ويطلب منهم ألا يفزعوا؛ لتخلف هؤلاء القادرين عن القتال رغم أنهم أصحاب الطَّوْل الذين يملكون الأموال والأولاد. ويزيل الحق أثر ذلك من نفوس المؤمنين، فيقول سبحانه: {لكن الرسول والذين...}.


{لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)}

أي: إياكم أن تحزنوا على هؤلاء المنافقين بسب قعودهم عن الجهاد معكم ولا تقولوا: نحن خسرناهم في قتالنا؛ لأن الحق لا يحتاج إليهم ولا إلى جهادهم. وسبحانه القائل: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89].
ويقول سبحانه: {فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38].
وكذلك يقول الحق سبحانه: {هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ والله الغني وَأَنتُمُ الفقرآء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].
وأيضاً نجد قوله الحق: {ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...} [المائدة: 54].

إذن: فتخلف بعض أصحاب القوة والمال والجاه عن الجهاد، يجب ألا يشيع الفزع أو الحزن في نفوس المؤمنين؛ لأن الله معهم، ولأنهم لهم الخيرات، أي: لهم كل ما يطلق عليه خير: {وأولئك لَهُمُ الخيرات وأولئك هُمُ المفلحون} والمفلح: هو الفائز الناجي المستفيد بثمرة عمله، وأصلها فلح الأرض أي: شقها؛ لأن الزراعة تقتضي أن تحرث الأرض أولاً، وهذه مهمة الإنسان ليخرج الزرع. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} [الواقعة: 64].
ونحن حيث نحرث الأرض نهيجها، وبدلاً من أن تكون صلبة لا يدخلها هواء ولا تتخللها أشعة الشمس، تصير بعد الحرث مستقبلة للهواء وتتخللها أشعة الشمس؛ فتخلصها من أي ماء راكد في داخلها، وبذلك يتوافر للأرض الهواء اللازم لنمو جذور النبات؛ لأن إذا وضعت الحَبّ في أرض غير محروثة، فالزرع لا ينبت؛ لعدم وجود الهواء الذي تتنفس منه الجذور. ولكن إذا حرثت الأرض؛ جعلت أشعة الشمس تتخلل ما هو تحت السطح؛ وتبخر الماء المخزون؛ ليدخل الهواء بدلاً منه؛ فتستطيع جذور النبات أن تنمو. إذن: فكل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نُسمِّيه فَلاحاً. وهو مأخوذ من الأمر الحسّي، الذي نراه كل يوم وهو الفِلاحة.

وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا أمراً معنويّاً، فهو سبحانه يستحضر لنا صورة محسّة من الذي نراه أمامنا؛ حتى نستطيع أن نُقرِّب المعنى إلى الأذهان؛ خصوصاً في الغيبيات التي لا نراها، فإذا أراد سبحانه أن يقرِّبها إلى أذهاننا؛ فهو يضرب لنا الأمثال بأمور حسّية. والإنسان حين يفلح الأرض ويشقها ويبذر فيها الحب، تعطيه محصولاً وفيرا. ً وكذلك فإن كل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه فلاحاً.
وعندما يحدثنا الحق سبحانه، فهو يعطينا المثل مما نراه كل يوم؛ ليقرب إلى أذهاننا جزاء الصدقة والزكاة، ومضاعفته لنا الأجرَ، فيقول: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ...} [البقرة: 261].
فإذا كانت الحبة عندما تضعها في الأرض تنبت سبعمائة حبة، وإذا كانت الأرض، وهي مخلوقة لله، قد أعطتك عن الشيء الواحد سبعمائة ضعف، فكم يعطي خالق الأرض؟ وكم يضاعف؟
إنها صورة مُحَسّة للجزاء على الصدقة والزكاة. وأنت ساعة تزرع الأرض لا تقول: أنا أنقصت المخزون عندي كيلة من القمح أو إردباً من القمح؛ لأنك تعلم أنك تأخذ مما عندك إردباً من القمح؛ لتزرعه في الأرض. ولكنك لا تنظر إلى الإردب الذي أخذته من المخزون عندك، بل انظر إلى ما سوف يجيء لك من هذا الإردب ساعة الحصاد، وكذلك الزكاة: إياك أن تنظر إلى ما سينقص من مالك عندما تؤدي الزكاة، ولكن انظر إلى كم سيضاعف الله لك من هذا المال.

وقد ضرب الحق مثلاً بشيء مُحِسٍّ يعلمه الجميع، ومن صورة ما نراه أمامنا لنفهم ما ينتظرنا، فإذا كانت الأرض- وهي المصدر الأول للاقتيات- تُلقى فيها الحبة الواحدة، فتعطي لك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وإذا كانت الأرض المخلوقة لله تعوضك عما وضعته فيها بسبعمائة ضعف، فكم يعطيك خالق الأرض؟
إذن: فهو سبحانه قادر أن يضاعف لمن يشاء بغير حساب. ولذلك يبشر الحق سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: {وأولئك لَهُمُ الخيرات وأولئك هُمُ المفلحون} وهذا جزاء المؤمنين في الدنيا، ولكن هناك جزاءاً آخر في الآخرة. وفي هذا يُبشِّرنا الحق سبحانه في قوله: {أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي...}.


{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)}
وقد عرفنا من قبل أخبار الجنات والأنهار، وهنا يوضح لنا الحق الخير الذي يخلد فيه المؤمنون.
ولماذا سمى الله سبحانه وتعالى جزاء الآخرة بأنه: {الفوز العظيم}.

ذلك لأن هناك فارقاً بين الخير والفلاح في الدنيا، والفوز في الآخرة؛ فالدنيا موقوتة بعمرك وتتمتع فيها بقدر أسبابك. إذن: ففيها فوز محدود لا يسمى فوزاً عظيماً. أما الآخرة فالنعمة فيها لا تفارقك، ولا تفارقها أنت، فالنعمة خالدة، وأنت خالد، وهذه النعمة- في الوقت نفسه- ليست بقدراتك أنت، بل بقدرات خالقك سبحانه وتعالى، ولا تحتاج منك أي تعب أو عمل أو اجتهاد، بل يأتيك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك، وهذا لا يحدث إلا في الآخرة وفي الجنة وهذا هو الفوز العظيم؛ لأنه دائم وبلا نهاية


نداء الايمان