منتدى العالم الاسلامي

كل ما يتعلق بديننا الحنيف على مذهب أهل السنة فقط مواضيع في الدين - Islamic Forum

نسخ رابط الموضوع
https://vb.kntosa.com/showthread.php?t=21386
141 1
05-18-2022 03:53 AM
#1  

افتراضي{إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}آثار الذنوب والمعاصي


إن الله هو التواب الرحيم؛ لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال، وإن تكررت الذنوب، فهو التواب الذي ييسر لعباده وسائل التوبة، ثم يتوب عليهم.

وهو الرحيم الذي يرحم عباده مهما أساءوا، فيقبل توبتهم، ويبدل سيئاتهم حسنات قال تبارك وتعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البَقَرَة: 37].
وهذا مما يزيد العبد المؤمن رغبةً ورجاءً، حين يعلم بأن التواب وصف لازم للرب سبحانه، فلا ييأس من رحمته أحد:{إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يُوسُف: 87].
قال ابن القيم رحمه الله[1]:

وكذلك التوَّابُ من أوصافه --- والتَّوبُ في أوصافه نوعان
إِذنٌ بتوبةِ عبدِه وقبولُها --- بعد المتاب بمنَّةِ المنان

إن الله هو العفو الغفور، الرحيم الغفار، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، فكل واحد من عباده مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما أن الكل مفتقر ومضطر إلى كرمه ورحمته.
قال سبحانه: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[النُّور: 22].
هو الغفور سبحانه الذي يستر العبد، ويغفر الذنب، يفعل ذلك مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى.
هو السِتِّير الذي يحب الستر لعباده، ويستر ذنوبهم،بل وأمرهم أن يستروا عوراتهم، وألَّأ يجاهروا بمعاصيهم في الدنيا؛ ليسترها عليهم في الدنيا الآخرة.
يقول ابن القيم رحمه الله[2] :

وهو الحيِيُّ فليس يفضحُ عبدَه --- عند التجاهرِ منه والعصيانِ
لكنَّـــه يُلقي علــيه سِـــتْرَه --- فهو السَّتِيرُ وصاحبُ الغفرانِ

وهذا جدير بأن يدفع المسلم إلى الإسراع بالتوبة، ثم الاستبشار بأن الله يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، ويمحو أثرها. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25].
والله يفرح بتوبة العبد، وهذا من رحمته بعباده، وعظيم لطفه بهم، فضلًا عن قبول التوبة والأمر بها، وقد جاء ما يؤكد ذلك في سنة الهدى والرحمة؛ ليكون دليلًا شاهدًا على أن هذا الدين - بحمد الله - كله خير وفضل ورحمة للعباد، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبيَاء: 107].
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ"([3]) .
إنه رجل بأرض فلاة ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فَضَلَّت عنه، فذهب يطلبها فلم يجدها، فبقي ليس حوله أحد، لا ماء، ولا طعام، ولا أناس، فلما أيس من راحته وحياته؛ ذهب إلى شجرة ونام تحتها ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذ بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها، فبأي شيء يُقَدَّرُ هذا الفرح؟! إنه فرح عظيم لا يتصوّره إلا من وقع في مثل حاله، إنه فرح بالحياة بعد الممات؛ لذا أخذ بخطام ناقته وأراد أن يثني على الله فيقول: "اللهم أنت ربي وأنا عبدك"؛ لكنه من شدة الفرح قلب القضيَّة فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"
وفي هذا دليل على أن الله عز وجل يحب ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه فرحًا عظيما يليق بجلاله وعظمته ولا يشبهه فرح المخلوقين، ليس لحاجته إلى أعمالنا وتوباتنا، فإن الله غني عنا وعن طاعاتنا وتوباتنا؛ ولكن لعظيم كرمه؛ فالعفو والمغفرة أحب إليه من أن ينتقم ويؤاخذ.
وهذا الفرح من الله بتوبة عبده لم يأت نظيره في غيرها من الطاعات، وهذا دليلٌ على عظم قدر التوبة، وفضلها عند الله. ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وأن أمرها عظيم، لم يكن الرب تبارك وتعالى ليفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم.فهو سبحانه يحب من عباده أن يتوبوا، ويريد التوبة منهم، قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}[النِّسَاء: 27].

قال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» ([4]).

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي --- جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته --- بعفوك ربي كان عفوك أعظما

***

توبة صادقة لا جوفاء...!
والتوبة ليست كلمة تقال باللسان، إنما هي عزيمة في القلب، يتحقق مدلولها بالإيمان، والعمل الصالح، ويتجلى أثرها في السلوك العملي في عالم الواقع، أما أن يقول المرء: أستغفر الله وأتوب إليه؛ وهو مصرٌّ على المعصية، فهذه توبة جوفاء؛ يتحرك بها اللسان دون أن يكون لها أثر في الجنان.
أما إذا وقعت التوبة في القلب وصح الإيمان، وصدّقه العمل فهنا يسير العبد في طريق الرشاد والهدى والاهتداء؛ فإن التوبة كغيرها من العبادات والطاعات، لابد لها من الصدق مع الله، وتجريد الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وهذه هي التوبة التي تُحدث ميلادًا جديدًا للنفس، ويقظة فاعلة للضمير.
فإن كثيرًا من الناس يترك الذنب خوفًا من البشر، أو لتغيّر حاله، أو لعدم القدرة على فعل المعصية أو لابتعاده عن أسبابها، أو لأجل الدنيا، أو شيء من أمرها، أو غير ذلك مما يكون عائقًا أمامه يمنعه من ارتكاب المحرّم، وظلم نفسه، فهذا لا يعدّ تائبًا حتى يتركها لله رب العالمين، استجابة لأمره، وطمعًا في ثوابه، وخوفًا من عقابه.
لابد من توبة لله، ومن أجل الله:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[النُّور: 31]، لذا كان الجزاء هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب والسلامة من جميع الشرور، والتنعم في دار الحبور والسرور.
فباعث التوبة وترك الإصرار في هذه الحال، هو معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته، بأن يعيش العبد بقلبه وفكره متأملا في أسماء الله وصفاته، وفي كتابه العزيز، متدبرا لما في ذلك من الحكم والمعاني والأسرار.
فعندما يتأمل في أسماء الله: الرحمن، الرحيم، التواب، الكريم، العفو، الغفور، الودود والحميد، فإن قلب العبد يمتلىء طمأنينة ورجاء ورغبة في التوبة.

يقول القرطبي رحمه الله: "الباعث على التوبة، وحل الإصرار؛ إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد بها المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين، وداوم على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه، فدعا الله رغبا ورهبا، والرغبة والرهبة ثمرة الخوف والرجاء، يخاف العذاب، ويرجو الثواب"[1]. وممّا يبعث على التوبة تعظيم حرمات الله، وأن نعلم بأن الله يغار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ»([2]).
{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}[الحَجّ: 30].من يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيما في نفسه، فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب جزيل وأجر كبير، وكذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات[3].

قال بشر بن الحارث (الحافي) رحمه الله: "لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل"؛ فعلى العبد أن يحذر الذنوب وسوء عواقبها في نفسه، فالاغترار أو الفرح بالذنب أو قلة الحياء من الله أعظم من الذنب نفسه، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملته".
***

آثار الذنوب والمعاصي
ومما يعين على التوبة، ويرغِّب النفس في سلوك الهدى أن يعلم العبد أن للذنوب والمعاصي أضرارًا جسيمة؛ في النفس والآفاق، وفي الأفراد والمجتمعات.
فإن عقوبات السيئات تتنوع إلى: عقوبات شرعية. وعقوبات قدرية. وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما. وعقوباب في دار البرزخ بعد الموت. وعقوباب يوم حشر الأجساد. فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحس بالمؤلم. فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار، والإغراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها"[1].


من يهن يسهل الهوان عليه --- ما لجرح بميت إيلام
وإليك بعض تلك الأضرار والآثار السيئة على العباد والبلاد:

(1) حرمان العلم:
فإن العلم نور يقذفه الله في قلب العبد، والمعصية تطفئ ذلك النور، وإن الذنوب تعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب موارد الهداية، قال علي بن خشرم رحمه الله: "سألت وكيعًا عن دواء الحفظ فأجاب: ترك المعاصي" . ولما رأى الإمام مالك رحمه الله من تلميذه الشافعي رحمه الله ما رأى أعجب بفطنته وذكائه وفهمه وقال له: "إني أرى أن الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية".
وقال الضحاك رحمه الله: "ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[الشّورى: 30].

(2) وحشة في القلب:
تكون بين العبد وربه، ثم يمتد أثرها لتكون بينه وبين عباد الله، وتقوى هذه الوحشة حتى مع أهله وأقاربه، فتراه لا ينتفع بمجالس الخير والصلاح بل يؤثر مجالس السوء والشيطان عليها. وهذه الوحشة التي يجدها العاصي في قلبه لا توازنها لذة مهما اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها، قال بعض السلف رحمه الله: "إني لأعصي الله فأرى ذلك في خُلُقِ دابتي وامرأتي".
وحشة تجعل للحياة مرارة؛ لأن المعصية والغفلة توجب البعد من الله وكلما ازداد البعد قويت الوحشة. أما الطاعة فإنها توجب القرب من الله، وكلما اشتد القرب قوي الأنس، وقد قيل:
فإن كنت قد أوحشتك الذنوب --- فدعها إذا شئت واستأنس

(3) قلة التوفيق وتعسر الأمور:
فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا، أو متعسرًا عليه، وكما أن من اتقى الله جعل الله له من أمره يسرًا، فكذلك من عطل التقوى، وأسرف في المعاصي جعل الله له من أمره عسرًا؛ كيف لا وقد انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشر. فأي توفيق وفلاح، وأي رجاء ونجاح يرجو العبد ويأمل وقد قطع ما بينه وبين خالقه ومولاه؟!

(4) وهن البدن:
فالمؤمن المطيع لربه قوته في قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، أما الفاجر والعاصي وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه.

(5) حرمان الرزق:
فكما أن تقوى الله يجلب الرزق كما في قوله سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}[الطّلاَق: 2-3]. وقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعرَاف: 96]. كذلك فإن ترك التقوى يجلب الفقر والفاقة، وأشد تركٍ للتقوى هو مقارفة المعاصي بترك واجب أو فعل محرم فما استُجْلِب رزقُ الله بمثل ترك المعاصي.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ"([2]).

(6) محق بركة العمر:
فإن المعاصي تمحق بركة الدين والدنيا، وتمحق بركة العمر فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية..
فإن عمر الإنسان هو حياته بالله، كما أن حقيقة الحياة هي حياة القلب، والتي لا تكون إلا بالبر والتقوى والطاعة، لذلك وصف الله الكافرين الذين هم أكثر الخلق إضاعة للحياة بأنهم أموات؛ فقال عنهم: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}[النّحل: 21].

(7) حرمان الطاعة:
فإن الطاعات بيد الله، ولا تحصل إلا بتوفيق الله وهدايته للعبد، فحين يختار العبد الحياة المظلمة المسودة بالذنوب، فإن ذلك يقطع عليه طريق الطاعة، فلا يوفق لها، بل تضعف عنده إرادة التوبة شيئًا فشيئًا حتى تنسلخ من قلبه، وتقوى إرادة المعصية لديه فيُحرَم الطاعة والعياذ بالله.
جاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله فسأله قائلًا: يا أبا سعيد، إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟، فقال: "ذنوبك قيدتك". قال النووي رحمه الله: "حرمت قيام الليل مرة بذنب أذنبته".
قال سليمان الداراني رحمه الله: "لا تفوت أحدًا صلاة الجماعة إلا بذنب" .

(8) لباس الذل:
إن الرجل إذا أصاب الذنب و لو سرًا أصبح وعليه مذلته، ووجد عقوبة ذنبه عاجلًا أو آجلًا، فالعز في طاعة الله والذل في معصيته.
قال الحسن البصري رحمه الله: "أبى الله إلا أن يذل من عصاه".
وقال سليمان التيمي رحمه الله: "إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته".

(9) هوان المذنب على الله:
قال الحسن البصري رحمه الله: "هانوا على الله فعصوه ولو عزُّوا عليه لعصمهم وإن هان العبد على ربه لم يكرمه أحد"، قال تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ}[الحَجّ: 18].
أما ما يُرى من تعظيم الناس لأهل المعصية، فهو في الظاهر فقط إما لمصلحة أو بسبب اتفاق في الأهواء والمشارب، أو بسبب خوف ونحوه.

(10) هوان المذنب على الناس :
فيحدث له سقوط الجاه والمنزلة والكرامة، وسقوط في أعين الناس وقلوبهم، فيصبح خامل الذكر ساقط القدر يرثى لحاله، ولا حرمة له أو شأن، بينما ترى العبد إذا كان من أهل الطاعة والتقوى كان من أكرم الخلق عند الله قال الكريم جل في علاه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحُجرَات: 13].
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر".

(11) لعنة البهائم للمذنب:
فلا يكفي المذنب عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنة من لا ذنب له حتى البهائم والدَّواب تلعن عصاة بني آدم حيث مُنِعَت القطر من السماء بشؤم معصية العصاة، قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29].

(12) انعدام الغيرة:
فكلما اشتدت مقارفة العبد للذنوب كلما انطفأت وخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله، فلا يستقبح القبيح بل يستحسن الفواحش ويزينها لغيره، ويدعو لها ويحث عليها، ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله، فإن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له.

(13) زوال النعم:
فإن نعم الله تُحفظ وتُستَجلَبُ بطاعة الله، أما المعاصي فهي الآفات المانعة التي تحجب النعم، فإذا أراد الله حفظ النعمة لعبده ألهمه رعايتها بطاعته، وإذا أراد الله زوالها عنه خذله الله حتى ربما عصاه العبد بها، وقد قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها --- فإن المعاصي تزيل النعم

(14) الرعب والخوف في القلب:
فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا أحاطت به المخاوف من كل جانب؛ لأنه عصى الله دون خوف من الله أو عقابه، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ.

(15) ذهاب الحياء:
فالذنوب تضعف حياء العبد، فلا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، وربما أخبر عن حاله، وقبح ما يفعل؛ لانسلاخه من الحياء، فلا يستحيي من الله ولا من عباده، فتجده يركب المعاصي، ويعلن بها ويجاهر دون خوف من الله أو حياء من الناس، ويفعل ما يهوى من القبائح وما يشاء.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ"([3]) .
فإن الإلمام بالمحاقر دون تورع، والوقوع في الصغائر دون اكتراث دليل على فقدان النفس لحيائها، ثم فقدانها لإيمانها.
ومتى ما فقد المرء الحياء تدرج من سيئ إلى أسوأ، ومن رذيل إلى أرذل ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل، ويكون عرضة للهلاك والبوار.

(16) اعتياد الذنوب وتوالد السيئات:
فإن المذنب قد يألف المعصية ولا يستقبحها، بل تصير له عادة، وربما افتخر بفعله للذنب، وعدَّ هذا من تمام اللذة، وغاية التهتك، كما عند بعض العصاة والعياذ بالله، فالمعاصي تزرع أمثالها.
قال أحد السلف رحمه الله: "إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها حتى إن العاصي قد لا يجد أحيانا لذة للمعصية لكنه يجد ألمًا وربما ضاقت عليه نفسه لمفارقة المعصية".

(17) الطبع على القلب:
فإن الذنوب إذا تكاثرت طُبع على قلب المرء فكان من الغافلين؛ لأن القلب يصدأ من المعصية. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ"([4]) .
{كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطفّفِين: 14].
قال الحسن رحمه الله: "هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب"، حتى يصير الران طبعًا وقفلًا وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فيتولاه الشيطان ويسوقه حيث أراد.

(18) أسر الشيطان:
ولا أسير أسوأ حالًا من أسير أسره الشيطان، الذي هو أعدى عدو للإنسان، فإن العبد بمعصيته لربه يصبح بعيدا عن الله وحينها لم يكن عليه من الله حافظ، فيقع في سجن الشيطان وأسره، حينها يفترسه الشيطان، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

(19) نزول النقم:
يقول ابن القيم رحمه الله:[5] "ومن تأثير المعاصي في الأرض: ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب".
إن للذنوب شؤما وآثارا سيئة في الدنيا والآخرة؛ كمنع إجابة الدعاء، وضيق الصدر، وسوء الخاتمة، وعذاب الآخرة، إضافة إلى ما يُرى ويُشاهد من الفساد فى البر والبحر، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الرُّوم: 41].
"إن الذنوب والمعاصي تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن"، قال صلى الله عليه وسلم: "لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا"([6]).
ولايزال للطاعة ثمرات يانعة وطيبة، وآثار حسنة ومباركة ، يقابل ذلك آثار للمعصية هي في غاية الضنك والسوء، وربما كان الجزاء معجلًا في الدنيا قبل الآخرة كما هو معلوم ومشاهد، قال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}[النِّسَاء: 123].

جاء في الأثر:
إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوةً في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمةً في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا في البدن، وضيقا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق.
***


أنور إبراهيم النبراوي
داعية إسلامي وباحث في الدراسات القرآنية والتربوية
ومهتم بشؤون الأسرة

صيد الفوائد









05-19-2022 11:39 AM
#2  

افتراضيرد: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}آثار الذنوب والمعاصي

بارك الله فيكى



اظهار التوقيع
توقيع
احبك ربى
كما شهرزاد.. حكت لتُبقي نفسها على قيد الحياة، أكتبُ لأبقِى نفسي على قيد الحياة. إنّني مع كلّ نصٍّ أكتبه أكتشف حقيقة أخرى مخبأة في داخلي.




الكلمات الدلالية (Tags)
كَانَ, والمعاصي, {إِنَّهُ, الذنوب, تَوَّابًا}آثار

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كَالوطنِ أنتَ عِشقُكَ عَقيدة إن وصفتهُ لا تكفه مليون قصيدة سينا المنتدى الأدبي 1 03-08-2020 01:52 AM
أَلا رُبَّ ذي أَجَلٍ قَد حَضَر كَثيرِ التَمَنّي قَليلِ الحَذَر مى المنتدى الأدبي 1 03-08-2020 01:51 AM
لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ مى القرآن الكريم 0 04-11-2019 07:08 PM


الساعة الآن 09:43 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11 Beta 4
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2022 DragonByte Technologies Ltd.

خيارات الاستايل

  • عام
  • اللون الأول
  • اللون الثاني
  • الخط الصغير
  • اخر مشاركة
  • لون الروابط
إرجاع خيارات الاستايل